فهرس الكتاب
ليقربهم قربانًا فقبَّل يوقنَّا يده وقال له: يا عظيم الروم ما ولاك الله على البلاد والعباد إلا وقد علم أن عقلك يسع ذلك وقد قال ديسقور الحكيم: إن العقل مرقى جليل وصاحبه نبيل، لأنه عز الإنسان ومصباح الأنام، واعلم أيها الملك أن العرب قد قصدتنا بعددها وعديدها وقد نزلوا على جسر الحديد ولابد لنا من القتال والمصاف معهم ولا ندري على من تكون الدائرة، فإن قتلت هؤلاء الأسرى ووقع أحد منا بأيديهم فإنهم لا يبقون عليه، والصواب تركهم إلى أن نرى ما يؤول من أمرنا، فإن أسروا من أصحابنا أحدًا أو من أعياننا نفاديه، فقال أرباب الدولة: صدق الدمستق في قوله.
قال البترك: أيها الملك أحضرهم إلى هذه الكنيسة فإنها أحسن كنائس بلدنا وأمر النساء والبنات يتزين ويحضرن هنا فإذا هم نظروا إلى نسائنا وحسنهن وجمالهن وطيب رائحتهن مالت أنفسهم إليهن فيرجعون إلى ديننا فيكون ذلك وهنًا على المسلمين. فأمر بذلك، فلما حضروا رفعت القسوس أصواتهم بقراءة الإنجيل فرفع المسلمون أصواتهم بالتهليل والتكبير وقالوا: كذب الجاحدون وضلوا ضلالًا بعيدًا ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله. وكان في الأسرى رجل من اليمن من فضلائهم وعلمائهم ممن علم علم الحميريين وقرأ الكتب السالفة وكان اسمه رفاعة بن زهير يقول الشعر وينظم الكلام وأنه لما نظر الكنيسة ملآنة بأهل الكفر ورآهم يعظمون الصلبان ويسجدون للصور قال: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله كذب العادلون عن الله أصحاب الشيطان ولا إله إلا الله الواحد الرحمن الذي ليس له أب محسوب، وأنه فرد صمد لا إلى شيء منسوب، ليس له ضد ولا ند ولا حد. أوجد الموجودات، وصوَّر المخلوقات، وخلق الكائنات، ودبر الأرض والسموات. أول لا افتتاح لوجوده، وآخر لا عدم لشهوده، لا يموت ولا يفنى، ولا يزول ولا يبلى، لا شريك له، ولا وزير له، ولا صاحب له، ولا مشير له، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فاضطربت الكنيسة لقوله ومالت القسوس بعكاكيزها إليه فأشارت الحجاب إليهم أن لا يكلموه ويتركوه فتفرقوا عنه.
فقال له الملك هرقل: ما اسمك يا أخا العرب؟ قال: أيها الملك وما تريد من اسمي ولست من جنسكم فتستخبروني؟! فقال البترك: صدق أيها الملك ليس هو من جنسنا ولا له علم ولا خبرة فعلام تسأله إنما هو بدوي يعلم بسكنى القفار وصحبة الأشرار والحكمة من بلادنا ظهرت، وفي حكمائنا اشتهرت، لأنها نبعت من اليونانيين ووعاها جدودنا السريانيون من أين للعرب حكمة يتوارثونها وعلوم يتدارسونها والفضائل كلها من علمائنا والعدل في