فهرس الكتاب
العدل والتمكين. قال: فما سريره؟ قال: العقل واليقين، قال: فما بدلة ملكه؟ قال: الزهد والدين. قال: فما خزائنه؟ قال: الثقة برب العالمين. قال: فمن جنده؟ قال: أبطال الموحدين. أما علمت أيها الملك أن جماعته قالوا له: يا عمر قد ملكت كنوز القياصرة وذللت البطارقة والأكاسرة فهلا لبست ثيابًا فاخرة؟! قال: أنتم تريدون زينة الحياة الظاهرة، وأنا أريد رب الدنيا والآخرة، فلما أبدى هذا القول وأضمر أشار إليه منادي القدرة وبشر"الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ". ثم إن الملك هرقل أمر بهم إلى السجن الذي هو في كنيسة القيسان وخرج إلى عسكره ليشرف على الخيام فرأى السرادقات قد ضربت لأن البطارقة ضربت سرادقاتها عند خيامه ونونية الملوك قد نصبت بإزاء كل نونية كنيسة من الخشب المدهون بسائر الأصانيع والنواقيس على أبوابها وكان زي الروم ذلك، وهذه البيع والخشب كانوا يتنافسون فيها وفي صنعتها وتكون معهم في أسفارهم وعساكرهم. وطاف هرقل على عسكره جميعه وأراد الدخول إلى أنطاكية وإذا بفوارس تركض إليه، فقالت لهم الحجاب وأصحاب السرير ما وراءكم؟ قالوا: مُلِكَ جسر الحديد منَّا وقد حصلت العرب على داخل الجسر. فأيقن الملك بزوال ملكه، وقال: وكيف ملكت العرب الجسر والبرجين وفيها ثلثمائة من البطارقة الشداد؟! قالوا: أيها الملك إن المقدم الذي على الأبراج هو الذي سلمهم.
قال الواقدي: ومن حسن لطف الله بالمسلمين أن صاحب الملك كان في كل يوم يمضي إلى الجسر ويوصي من في البرجين باليقظة والحرس الشديد وأنه مضى في بعض الأيام على عادته فوجدهم يشربون الخمر وليس عندهم حفظ ولا حرس فأخذهم وضرب كبراءهم وهم بقتل مقدمهم. ثم إنه أمسك عنه خوف الملك فعمل الحقد في قلوبهم فجاءهم يوقنَّا في بعض الأيام يتجسس ليدبر فيه حيلة فرآهم حانقين من صاحب الملك فسألهم فأنكروا منه، فقال لهم: أطلعوني على خبركم، فقالوا له: أتعطينا منك أمانًا؟ فأعطاهم، فقالوا: نحن نسلم هذا الجسر للعرب. فلما صح عنده ذلك، قال لهم: ما مرادكم؟ قالوا: نأخذ أمانًا من المسلمين، فقال يوقنَّا: أنا أكتب لكم كتابًا إلى أميرهم بأن يعطيكم أمانًا، وإن دخلتم في دينهم فهو خير لكم! فقالوا له: وكيف أنت دخلت في دينهم. ثم رجعت، فقال: حاش لله وإنما أتيت أدبرهم على تسليم أنطاكية لهم، فلما صح عندهم ذلك. قالوا: ونحن نسلم إليهم الجسر، فلما وافقهم على ذلك كتموا أمرهم، فلما قدم المسلمون مضى إليهم صاحب الجسر من غير أن يعلم به أحد وأخذ له ولمن معه أمانًا وناوله كتاب يوقنَّا ففرح المسلمون بذلك بأن يأخذوا