فهرس الكتاب
جسر الحديد من غير قتال فأعطوا للمقدم أمانًا، فلما وصل عسكر المسلمين إلى الباب الذي على الجسر فتح لهم فدخلوا، فلما سمع هرقل بذلك أمر الناس أن يتأهبوا للحرب ففعلوا ذلك.
.عن منازل بن نزاف الصيدلاني وكان أعرف الناس بفتوح الشام قال: بلغني أنه لما صار المسلمون بأرض أنطاكية. قال أبو عبيدة لخالد: يا أبا سليمان قد صرنا بأرض أنطاكية بلد كلب الروم والساعة يأتينا عسكره فما ترى من الرأي؟ قال خالد: إن الله - سبحانه وتعالى - قال:"وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ"، فأمر أصحابك أن يتأهبوا ويظهروا زينة الإسلام وقوة الإيمان وسيِّر كل أمير بجيشه ولتكن الكتائب والمواكب يتلو بعضها بعضًا. ففعل أبو عبيدة ذلك، وأول من سيَّر سعيد بن زيد أحد العشرة ومعه ثلاثة آلاف فارس فيهم المهاجرون والأنصار وجعله على مقدمة الجيش، وسيَّر وراءه رافع بن عميرة الطائي ومعه ألف فارس، وسيَّر وراءه ميسرة بن مسروق العبسي في ثلاثة آلاف فارس، وسار وراءه خالد في جيش الزحف.
وسار وراءهم أبو عبيدة في بقية العسكر، وكان معه عمرو بن معد يكرب الزبيدي وذو الكلاع الحميري وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر ومثل هؤلاء السادات وسار وراءهم النساء اللاتي لهن الأسرى وفيهم خولة بنت الأزور وعفيرة ابنة عفان ومزروعة ابنة عملوق وأم أبان بنت عتبة وليس فيهم أشد حزنًا من خولة بنت الأزور. فسار أبو عبيدة في مواكبه كما ذكرنا، فبينما الروم في خيامها وعسكرها إذ وقع فيهم الصائح بقدوم العرب، فركزوا خيولهم وصفوا صفوفهم، فأول من أشرف عليهم برايته سعيد بن زيد وبعده المسيب بن نجبة الفزاري، وبعده ميسرة بن مسروق العبسي، وبعده أتى خالد بن الوليد، وبعدهم أبو عبيدة في مواكبه، فنزل كل أمير بقومه فلما نظر هرقل إليهم وأنهم قد نزلوا بفنائه وبنائه ترك على حفظ جيشه صاحبه الأكبر"نسطاروس بن روميل"وكان من شجعان الروم، ودخل إلى كنيسة القيسان وجمع الملوك والبطارقة والسريرية والحجاب، وقام هرقل فيهم خطيبًا وقال: يا أهل دين النصرانية ويا بني ماء المعمودية قد قرب ما حذرتكم منه من زوال ملككم وذهاب عزكم من أرض سورية، وقد كنت حذرتكم من زوال ملككم ومن هذا المقام فلم تقبلوا مني وأردتم قتلي، وهؤلاء القوم قد دخلوا بدار ملككم ورياح عزكم فقاتلوا عن حريمكم وأموالكم وأنفسكم، وإياكم والفشل لا يلحقكم في الجهاد فقد جاهدت عنكم جهدي وأتلفت أموالي وخزائني ورجالي عن ديني وملككم، فلم تصادفني مساعدة، ولا أدركت من القوم فائدة!