فهرس الكتاب
فإن أنتم فشلتم وتقاعستم ولم تجردوا لهؤلاء العرب سيوف العزم، وإلا كان العار عليكم، والذلة تصل إليكم، أين أبناؤكم ومن سلف من آبائكم؟ ماتوا كرامًا غير لئام وسكنت ديارهم العرب اللئام، وكنائسهم صيروها جوامع، وأخربوا البيع والصوامع وأذلوا ملوككم واستعبدوا أبناءكم ونساءكم وملكوا قلاعكم واستولوا على حصونكم ومدائنكم، وقد مضى ما مضى فاستأنفوا الأمر وقاتلوا: فكم هلك من الأمم قبلكم على ممالكهم وعلى الغيرة على حريمهم، ولقد كانت حكمتي أنتجت لكم أن تنسجوا على منوال المصالحة بينكم وبين هؤلاء العرب فأبيتم ذلك، لأن ظلمة جهلكم قد أطفأت نور الحكمة. أما علمتم أنه قد وجد لوح من الحجر على قبر"طيماون تلميذ أفيانوس"وفيه مكتوب: الحكمة سلم العالم الأعلى، من عدمها فقد عدم القرب إلى بارئه، الحكمة حياة القلوب، وبغية الأذهان، ونزهة النفوس، ونور العقول، من لم يكن حكيمًا لم يزل سقيمًا، من تدبر نظر، ومن نظر عرف، ومن عرف عمل، ومن عمل انفتح ذهنه وعقله، ومن انفتح عقله صفت نفسه.
.عن شهر بن عباس البيروتي أنَّ عمرًا حدَّثه عن نزول أبي عبيدة بالمسلمين على أنطاكية قال: وعظ هرقل قومه بكنيسة القيسان واستحلفهم أنهم لا ينهزمون أو يموتوا عن دم واحد فحلفوا وخرجوا مع الملك إلى عسكره، وقد رفعت الصلبان وقرأت القسوس والرهبان وارتفع الضجيج من أهل الكفر والطغيان واصطفوا للقتال، وكان المسلمون قد رتبوا صفوفهم وأوقفوا كل أمير في مكانه ونشرت الرايات والأعلام. قال الواقدي رحمه الله: كان أول من خرج من الروم للبراز شجاع الروم"نسطاروس بن روبيل"وهو كأنه برج من حديد، فلما توسط الميدان طلب البراز فخرج إليه دامس أبو الهول مولى بني طريف فاتح قلعة حلب، وهو يومئذ فارس غطريف فحملا على بعضهما، فلما اشتعلت نار الحرب بينهما عثر جواد دامس فسقط على ظهره فانقض عليه نسطاروس وأخذه أسيرًا ورجع إلى الميدان، فخرج عليه الضحاك بن حسان الطائي، وكان يشبه خالدًا في حملاته وخفَّته، فلما برز قال قائل من الروم -ممَّن شاهد قتال خالد في المواطن وعرفه-: هذا فارس الشام والمسلمين الذي فتح بلادنا! فصار كل من في أنطاكية ينظر إليه وهم يظنون أنه خالد، فازدحمت خيل المشركين من كثرة النظر إليه فقطعت حبال السرادقات التي لنسطاروس وغيروا سريره!
فخاف الغلمان على أنفسهم وسرادقاته على ذلك وإذا رآها على تلك الحالة قتلهم، ولم يجدوا أحدًا يعينهم على رفع السرادق لأن كل من في العسكر مشغول بالفرجة على