أرواحهم في حواصل طيور الجنة فتأكل تلك الطيور من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها فتغدو أرواحهم في حواصل تلك الطيور، فهو الرزق الذي جعله الله لهم". فلما كان قتال قيسارية خرج ذلك الغلام إلى القتال بعد أن ودع أمه وأخته وداع الموت وقال لهم: نجتمع على حوض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم خرج وبيده قناة وهي موصولة كثيرة العقد وتحته جواد هجين. فلما خرج الغلام حمل على البطريق من ساعته وطعنه بسنانه، فاشتبك السنان في درع البطريق فلم يقدر على انتزاعه فضرب البطريق قناة الغلام بسيفه فقطعها وحمل على الغلام وضربه على هامته فشطرها فوقع الغلام"ميتا"-رحمه الله- وجال قيدمون على مصرعه، ثم طلب البراز، فخرج إليه ابن قثم فقتله البطريق."
فلما نظر إلى ذلك شرحبيل بن حسنة - رضي الله عنه - أقبل يعاتب نفسه ويقول: تتفرجين على قتل المسلمين! ثم خرج والراية بيده التي عقدها له أبو بكر - رضي الله عنه - يوم خروجه إلى الشام، فلما رآه عمرو قد عوَّل على الخروج قال: يا عبد الله اركز الراية لئلا تشغلك. فركزها شرحبيل فوقفت كالنخلة وغاصت في حجر كأنها منه فتفاءل بالنصر، وخرج إلى لقاء قيدمون والمسلمون يدعون له بالنصر على عدوه فلما رآه البطريق ضحك من زيه، وكان للملعون صوت عال وهو ضخم من الرجال، وكان شرحبيل نحيف الجسم من كثرة الصيام والقيام بالليل والبطريق في ميدانه فحمل كل واحد منهما على صاحبه واختلفا بضربتين، وكان السابق شرحبيل فلم يعمل السيف في لأمة البطريق شيئًا وثبت السيف في بيضته وحمل قيدمون على شرحبيل فشجه ثم تجاولا على الجوادين. قال سعيد بن روح: وكان ذلك اليوم كثير البرد والسحاب فبينما هما في المعركة إذ نزل المطر كأفواه القرب! فنزلا عن الجوادين وجالا يتصارعان في وسط الطين وذلك أن قيدمون حمل على شرحبيل فضرب يده في مراق بطنه فاقتلعه من الأرض، ورمى به على ظهره ثم استوى على صدره وهمَّ أن ينحره فنادى شرحبيل: يا غياث المستغيثين فما استتم كلامه حتى خرج إليه فارس من الروم وعليه لأمة مذهبة ومن تحته جواد من عتاق الخيل، فقصد موضع البطريق وشرحبيل فظنَّ قيدمون أنه إنما خرج ليعطيه جواده ويعينه، فلما قرب منهما ترجل وأمال البطريق برجليه عن صدر شرحبيل. وقال: يا عبد الله قد أتاك الغوث من غياث المستغيثين فوثب شرحبيل قائمًا ينظر إليه متعجبًا من قوله وفعله، وكان الفارس متلثمًا ثم جرد سيفه وضرب البطريق ضربة قطع بها رأسه، وقال: يا عبد الله خذ سلبه.