فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 611

بعض جزائر البحر، فلما نظر إلى جيش فلسطين قد خرج إلى قتال العرب قال: أسير مع هذا الجيش فلعلي أنكب نكبة وأغسل بها شيئًا من أوزاري وتكون لي قربة إلى الله تعالى وإلى المسلمين، فلما نظر شرحبيل في عين الهلكة قال: لا صبر لي عنه فخرج واستنقذه كما ذكرناه، فلما وقف بين يدي عمرو بن العاص شكره وبشَّره بقبول التوبة.

فقال: يا عمرو إني أخاف من خالد بن الوليد أن يراني بالشام فيقتلني! فقال عمرو: فإني أشير إليك بشيء تصنعه وتأمن به على نفسك في الدنيا والآخرة. قال: وما هو؟ قال: أكتب معك كتابًا بما صنعت وشهادة المسلمين فيه وتنطلق به إلى عمر بن الخطاب وتدفعه إليه وأظهر التوبة فإنه يقبلها وسيندبك إلى الفتوح وقتال الروم فتمحو عنك ما سلف من خطاياك. فأجابه طلحة إلى ذلك فكتب له عمرو كتابًا إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بما صنع وأخذه طلحة ومشى به إلى مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجد عمرًا في المدينة وقيل له هو بمكة فمضى حتى وردها فوجد عمر متعلقًا بأستار الكعبة فتعلق معه وقال: يا أمير المؤمنين إنِّي تائب إلى الله - عز وجل - وحق رب هذا البيت مما كان مني. قال عمر: من أنت؟ قال: أنا طلحة بن خويلد. فنفر عمر منه وقال: يا ويلك إن أنا عفوت عنك فكيف الأمر غدًا بين يدي الله - عز وجل - بدم ابن محصن الأسدي؟! قال طلحة: يا أمير المؤمنين عكاشة رجل أسعده الله على يدي وشقيت أنا بسببه وأرجو أن يغفر الله لي بما عملته قال عمر: وما عملت؟ فأخرج له كتاب عمرو بن العاص، فلما قرأه عمر وفهم ما فيه فرح به وقال: أبشر فإن الله غفور رحيم وأمره عمر أن يقيم بمكة حتى يرجع إلى المدينة فأقام معه أيامًا، فلما رجع عمر إلى المدينة وجه به إلى قتال أهل فارس.

قال الواقدي: لما قتل البطريق قيدمون على يد طلحة ونجا شرحبيل مما كان قد لحقه ورجع إلى عمرو وكان المطر شديدًا، فقطع الناس القتال ولحق الناس الأذى لأن أكثرهم بلا أخبية ولا بيوت، والتجؤوا إلى الجابية وتستروا بدورها. وكان من رحمة الله بالمسلمين أن وقع في قلب فلسطين الفزع والرعب لما قتل قيدمون البطريق وكان ركنه ودعامته فشاور أصحابه في الرجوع إلى قيسارية وقال: يا معاشر الروم أنتم تعلمون أن جيوش اليرموك ما ثبتت لهؤلاء العرب، وإن أبي قد ولى إلى القسطنطينية من خوفهم وقد ملكوا الشام جميعه وما بقي غير هذا الساحل وإني أخاف أن نُدهى من قبلهم ويملكوا قيسارية والرحيل أوفق من المقام هاهنا فأجابوه إلى ذلك، فلما كان الليل ارتحل القوم والمطر ينزل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت