فهرس الكتاب
بجميع دين النصرانية، وأنفذ إليهم ماهان الأرمني إلى اليرموك في ألف ألف فهزموه وقتلوه، وإني أريد أن آخذ خزائني وأطلب القسطنطينية، ثم إنه وجهني إليك أيتها الملكة لتركبي في المركب إليه. قال: فلما سمعت ذلك أطرقت برأسها إلى الأرض ثم رفعت رأسها وقالت: إني لا أقدر أن أصنع شيئًا إلا بأمر الملك أبي وإني مرسلة إليه. قال: فقام"يوقنَّا"وصقع لها ودعا ثم خرج من عندها فوجد غلمانه قد ضربوا خيامه فنزل بها وأرسلت إليه العلوفة والضيافة.
قال ابن إسحق الأموي - رضي الله عنه: ولقد بلغني أنه لما جنَّ الليل أتت إليها الجواسيس وأعلموها بفتح قيسارية ومدائن الساحل جميعها وبتوجه عمرو بن العاص إلى مصر وبحديث"يوقنَّا"صاحب حلب وحذروها منه وعرفوها بجميع الأخبار مفصلة وأنه هو الذي فتح طرابلس وصور وجبلة. قال: فلما سمعت ذلك دخل في قلبها الرعب وعلمت أنه محتال فطلبت حاجبها وقالت له: مر العسكر بلبس السلاح وأن يكونوا مستيقظين فقد جرى من الأمر كذا وكذا ثم إنها أوقفت مماليكها وغلمانها وقالت لهم: إذا دخل هذا الرجل وخواصه فاقبضوا عليهم فإذا نحن ملكناهم انخذل عسكر المسلمين، فلما رتبت هذا أرسلت تطلب"يوقنَّا"فذهب حاجبها إليه وقال له: أيها البطريق الكبير إن الملكة تطلبك لتوصيك بما تقوله لأبيها، فقال له: السمع والطاعة ها أنا راكب وأصحابي، فذهب الحاجب. فقال"يوقنَّا"لأصحابه: اعلموا أن الملكة شعرت بنا والقوم قد عوَّلوا على قتلنا فإن حصلنا في أيديهم قتلونا لا محالة وتضرب بنا الأمثال لمن يأتي بعدنا فموتوا كرامًا ولا تلقوا بأيديكم إلى القتل بأيدي الكفار، وكونوا نصرة لدين الإسلام، وما عسى نرجو من هذه الدنيا الغدارة التي ما صفت لأحد إلا وغيرته بالكدر فاعمروا دار البقاء وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده فلعلكم ترضونه بذلك. قال: فأخذ القوم على أنفسهم واشتدوا وركبوا وتوكلوا على الله في جميع أمورهم.
حدثنا ابن إسحق قال: لقد بلغني أن الملكة أقامت تنتظر قدومهم لتقبض عليهم فاستبطأتهم فبعثت رسولًا ثانيًا تستحثهم. فقال له"يوقنَّا": ارجع إلى صاحبتك وقل لها ما جرت بذلك عادة الملوك يبعثون يطلبون الرسل إلا لأمر يحدث وقد كنت عندها فما الذي تريده نصف الليل مني؟! فعاد الرسول وأخبرها بما قاله فركبت من وقتها وتقدمت وتقدمها حاجبها وأمرت الجيش كله أن يركب ودارت ب"يوقنَّا"وأصحابه ولم تحدث بشيء إلى الصباح فأقبل صاحب الملكة إليهم وقال: ما حملكم أن تركتم دين آبائكم وهجرتم دين المسيح وأمه وقد جئتم تحتالون علينا؛ ألا وإن المسيح قد غضب عليكم. فقال"يوقنَّا": إن المسيح عبد من عبيد الله لا يقدر على شيء لأنه مأمور ومكلف وقد أنطقه الله بذلك وهو في المهد فقال: