فهرس الكتاب
"إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ"، وقال:"وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا"،"وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا"، ومن يؤمر بالصلاة والزكاة ويموت فليس بإله إنما هو عبد الله مكلف بالعبادة مثل واحد منا، وأن الله لا يتشبه بأحد منا، وأن الله لا يشبهه شيء ولا يتشبه بأحد، ولقد أضلكم من صدكم عن ذلك، وزاغ بكم عن طريق الحق بقوله على الله والمسيح!
ولقد كنا مثلكم نسجد للصلبان ونعظم القربان ونسجد للصور ونجعل مع الله إلهًا آخر إلى أن تبين لنا دين محمد - صلى الله عليه وسلم - فشفانا بعد العمى وشرح صدورنا للهدى، ودين الإسلام هو الدين الواضح وكنا نقول مثل قولكم إن المسيح ابن الله، وإن إبراهيم وإسحق كانا نصرانيين فكذبنا الله بقوله في كتابه:"مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"، وقال سبحانه:"وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ"، وها نحن قد جئناكم لنجاهدكم إما أن تقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله وإما الجزية وإما القتال! فلما سمع الحاجب كلامه قال لقومه: دونكم وهؤلاء قد جاؤوا يريدون قتلكم وأخذ أموالكم وأولادكم وحريمكم، قال: فحملوا على"يوقنَّا"وأصحابه وعمل السيف بينهم بقية يومهم، فلما كان من الغد ركبوا وداروا بهم وتصايحت عليهم القبط، وقتلوا هم من القبط خلقًا كثيرًا ولكنهم صبروا لأمر الله وقالوا: والله لا نسلم أنفسنا أو نموت كلنا فقد حصل لنا ما كنا نطلب من رضا ربنا.
قال ابن إسحق: لما أخبرت الجواسيس أرمانوسة بقصة"يوقنَّا"أنفذت كتابًا إلى أبيها المقوقس تعلمه بذلك وأنها مغلوبة معهم وأن العرب متوجهون مع رجل يقال له عمرو بن العاص وأنا منتظرة جوابك. فلما وصل الكتاب إليه دعا أرباب دولته وقال لهم: قد تم من الأمر علي كذا وكذا فما تشيرون به عليَّ؟ قالوا: أيها الملك نرى لك من الأمر أن تنفذ جيشًا إلى الملكة ينصرها على عدوها، وتنفذ إلى"جلباب"ملك البرية تستنصر به على هؤلاء العرب، وتنفذ إلى"مازع بن قيس"ملك البجاوة ينفذ لك جيشًا، وتنفذ إلى من بالإسكندرية يأتون، وإلى من بالصعيد يأتون، فإذا اجتمعت إليك هذه الأمم فالق بهم العرب ولا تأمن لهم فيطمعوا فيك.
فقال: يا أهل دين النصرانية اعلموا أن الملك محتاج إلى سياسة، ومن ملك عقله ملك رأيه ومن ملك رأيه أمن من حوادث دهره وليست الغلبة بالكثرة وإنما هي بحسن التدبير، والله لقد كان قيصر أكثر مني جهدًا وأوسع بلادًا وأعظم عدة وقد جمع من بلاد الروم إلى اليونانية