فهرس الكتاب
ومن أقاليمه ومن القسطنطينية ومن سائر البلاد وبلاد الأندلس، واستنصر بنا وبغيرنا فما أغنى عنه جمعه شيئًا، ولا قدر أن يرد القضاء والقدر عنه، واعلموا أن العقل أساس الآدمي المخاطب المكلف المفضل به على سائر ما خلق على الأرض، فمن ملك عقله ملك أمره ومن لم يجد منه حالًا كان بجهله أرضيًا، ولن تنال الحكمة إلا بالعقل.
قال الحكيم ماسوسي: إن الحكمة مرقى جليل وطالبها نبيل وتاركها ذليل لأنها غذاء الأرواح وقوت القلوب، واعلموا أني لست أتكلم إلا بالصدق وأنتم تعلمون أن محمدًا في أيامه بعث إلينا، يدعونا إلى دينه فاستدليت على صدق قوله بكتابه وما ظهر من معجزاته وقد سمعتم أنه لما بعث ما سمع أحد بذكره إلا وخاف منه، وقد سمعتم أن القمر انشق له والذراع المسموم كلمه وقال: يا رسول الله إني مسموم فلا تأكلني وقد كلمه الضب والحجر والشجر والمدر وعرج به إلى السماء وركب أوج الماء وأول من تغلب عليه قومه وحاربه عشيرته حين أنكروا قوله وفعله فنصر عليهم وقهرهم وقد تبين لهم الحق فاتبعوه ونصروه، وهم هؤلاء الذين فتحوا الشام وما أنكرت من أمرهم شيئًا فإنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون حدود الله التي أمر بها، وما في كتابهم شيء إلا وفي الإنجيل مثله.
وقد أضلكم"بولص"وأغواكم حين غرَّ بكم وبدَّل شرعكم وسمَّاكم باسم لا يليق بكم، وكيف وقد عاد بكم من الطريق الواضح وأحل لكم جميع ما حرم عليكم من قبل، وهذا هو عين المحال وداعية العمى أن تتعدوا ما قال نبيكم! وكيف نبغي لروح الله عيسى ابن مريم أن يكلمكم بما لم يرسله الله إليكم. ثم إن"بولص"قال لكم: إنه أحل لكم الخنزير وشرب الخمر وارتكاب المعاصي ما ظهر منها وما بطن فأطعتم أمره وصدقتم قوله! وحاشا المسيح أن يفعل ذلك، وما كان أحد من الأنبياء إلا على ما جاء به محمد، وهؤلاء الحكماء الأولون ما منهم إلا من يتكلم بوحدانية الله تعالى. فأطرقوا برؤوسهم إلى الأرض غيظًا على الملك.
وما تكلم المقوقس بهذا الكلام حتى أوقف عنده من مماليكه ألف غلام فوق رأسه بالسيف، لأنه كان قد سمع ما جرى لقيصر وهرقل مع بطارقته لما جمعهم ونصحهم فوثبوا عليه وأرادوا قتله. أما المقوقس فإنه استوثق بمماليكه حتى لا يُطمع فيه. قال: فلما تكلم بذلك قال له وزيره: أيها الملك رأيك راجح وأنا أول من يؤمن بما تقول. فقال للوزير: اكتب إلى ابنتي كتابًا تأمرها فيه أن تتلطف بالقوم وتعطيهم الأمان وتنفذهم إلينا حتى نخلع عليهم ونطيب قلوبهم ويكونوا معنا يقاتلون من يريد قتالنا، وما أراد بذلك إلا أن يَسْلم مثل"يوقنَّا"وأصحابه إذ هم على الحق. قال: فكتب الوزير إلى الملكة كتابًا بما قاله أبوها، فلما وصل