فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 611

وهم بالدروع والجواشن والعدد، وقد أظهروا ما أمكنهم من القوة، فلما وصلوا إلى قصر الملك أخبروا"أرسطوليس"أن رسولك أتى بواحد من العرب فأمرهم بإحضاره فدخل عمرو راكبًا وهو متقلد بسيفه، فأراد الحجاب أن ينزلوه عن جواده فأبى وأن يأخذوا سيفه فأبى، وقال: ما كنت بالذي أنزل عن حصاني ولا أسلم سيفي. فإن أذن صاحبكم أن أدخل على حالتي وإلا رجعت من حيث أتيت فإننا قوم قد أعزنا الله بالإيمان ونصرنا بالإسلام فما لنا أن ننزل لأهل الشرك والطغيان، وأنتم طلبتمونا ونحن لم نطلبكم! فأعلموا الملك بما قاله. فقال"أرسطوليس": دعوه يدخل كيف شاء، فخرجوا إليه وقالوا له: ادخل كيف أردت فدخل عمرو وهو راكب حتى وصل إلى قبة الملك ورأى السريرية والحجاب وقوفًا والبطارقة وهم في زينة عظيمة، فلما رأى عمرو ذلك تبسم وقرأ"فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ".

وكان قصر الملك قد بناه"الريان بن الوليد بن أرسلاوس"وهو الذي استخلف يوسف - عليه السلام - على مصر بعد العزيز. ثم خرب وأقام خرابًا خمسمائة سنة وما بقي إلا أثره، فلما بعث عيسى وانتشرت دعوته ورفعه الله إليه وافترقت فيه فرقًا وادعوا فيه ما ادعوا من الإلهية وتقول الكذب ولي مصر"رجاليس بن مقراطيس"بنى ذلك القصر الخراب، وهو في وسط قصر الشمع، وإنما سمي قصر الشمع لأنه لا يخلو من شمع الملوك.

فلما بناه أحضر الحكماء الذين كانوا قد بنوا في برية أخميم، كان المقدم عليهم"قربانس"فقال لهم: إني قرأت كثيرًا من الكتب التي أنزلت على الأنبياء من الله وقرأت صحف موسى، ورأيت أن الله يبعث نبيًا قوله حق ودينه صدق، أخلاقه طاهرة وشريعته ظاهرة، وقد بشَّر به المسيح فما تقولون فيه؟ فقال"قربانس"حكيم: إن الذي قرأته هو الصحيح. قال: فثم من يخالف ذلك؟ قالوا: نعم. قال الحكيم: أريد أن أصنع تمثالًا من الحكمة ونجعله بيتًا للعبادة، ونجعل على هيكلها تماثيل يكون وجوهها مما يلي التمثال بأعلى قصرك. فإذا جاء وقت مبعث هذا النبي يحول كل تمثال وجهه عن صاحبه. وأما الذي يجعل على الكنيسة. فإنه عند مبعث النبي العربي يقع على وجهه ويكون موضع عبادة القوم وإقامة شرعهم. فأخذوا في عمل الحكمة وأقاموا التماثيل على ما ذكرنا، فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - حوَّل كل تمثال وجهه عن صاحبه وسقط الذي كان على سطح الكنيسة، -وهي الجامع اليوم-.

وأما التمثال العالي فبقي على حاله بأعلى القصر، فلما دخل عمرو بجواده سمعوا من التمثال صوتًا عظيمًا. ثم إنه سقط على وجهه فارتاع له الملك وأرباب دولته وصكوا وجوههم ودخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت