فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 611

الرعب في قلوبهم، وقالوا بلسانهم: ما وقع هذا التمثال إلا عند دخول هذا العربي وما جرى هذا إلا لأمر عظيم، ولاشك أنه هو الذي يقلع دولتنا ويأخذ ملكنا فأمروا عمرًا أن ينزل عن جواده فنزل وترجل وجلس حيث انتهى به المجلس وأمسك عنان جواده بيده ويده اليسرى على مقبض سيفه ونظر إلى زينتهم وزخرفة قصرهم فقرأ"وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ".

ثم قال: اعلموا أن الدنيا دار زوال وفناء، والآخرة هي دار البقاء. أما سمعتم ما كان من نبيكم عيسى وزهده وورعه كان لباسه الشعر ووساده الحجر وسراجه القمر، وقد قال نبينا - صلى الله عليه وسلم:"إن الله أوحى إلى عيسى أن نُحْ على نفسك في الفلوات، وعاتبها في الخلوات، وسارع إلى الصلوات، واستعمل الحسنات، وتجنب السيئات، وابك على نفسك بكاء من ودع الأهل والأولاد، وأصبح وحيدًا في البلاد، وكن يقظان إذا نامت العيون خوفًا من الأمر الذي لابد أن يكون"فإذا كان روح الله وكلمته خوف بهذا التخويف فكيف يكون المكلف الضعيف، وأول من تكلم في المهد قال: إني عبد الله فإذا كان أقر لله بالعبودية فلم تنسبون إليه الربوبية، تعالى الله ما اتخذ صاحبة ولا ولدًا ولا أشرك في حكمه أحدًا، جل عن الصاحبة والأولاد، والشركاء والأضداد، ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انتهاء، ولا يحويه مكان، ليس بجسم فيمس ولا بجوهر فيحس لا يوصف بالسكون والحركات، ولا بالحلول والكيفيات، ثم إنه قرأ"إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا".

فقال له الوزير: أصح عندكم معاشر العرب أن المسيح تكلم في المهد؟ قال: نعم. قالوا له: فهذه فضيلة قد انفرد بها عن جميع الأنبياء، فقال عمرو: قد تكلم في المهد أطفال منهم صاحب يوسف وصاحب جريج وصاحب الأخدود وغيرهم، فقالوا: يا عربي أتكلم نبيكم بغير العربية؟ قال: لا، قال الله في كتابه:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ" (إبراهيم: 4) ، قالوا: أبعث الله منكم أنبياء غير نبيكم؟ قال: نعم. قالوا: من؟ قال: صالح وشعيب ولوط وهود. فلما سمعوا كلام عمرو وفصاحته وجوابه الحاضر، قالوا بالقبطية للملك: إن هذا العربي فصيح اللسان جريء الجنان، ولاشك أنه المقدم على قومه وصاحب الجيش فلو قبضت عليه لانهزم أصحابه عنَّا. وغلام عمرٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت