فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 611

وردان يسمع ذلك، فقال الملك: إنه لا يجوز لنا أن نغدر برسول، لاسيما ونحن استدعيناه إلينا! فقال وردان بلسان آخر ما قالوه ففهم عمرو كلامه.

ثم إن الملك قال: يا أخا العرب! ما الذي تريدون منا؟ وما قصدنا أحد إلا ورجع بالخيبة، وإنا قد كاتبنا النوبة والبجاوة وكأنكم بهم قد وصلوا إلينا. فقال عمرو: إننا لا نخاف من كثرة الجيوش والأمم، وإن الله قد وعدنا النصر وأن يورثنا الأرض. ونحن ندعوكم إلى خصلة من ثلاث: إما الإسلام، وإما الجزية، وإما القتال. فقالوا: إنا لا نبرم أمرًا إلا بمشورة الملك المقوقس، وقد دخل خلوته، ولكن يا أخا العرب ما نظن أن في أصحابك من هو أقوى منك جنانًا ولا أفصح منك لسانًا. فقال عمرو: أنا ألكن لسانًا ممن في أصحابي ومنهم من لو تكلم لعلمت أنِّي لا أقاس به. فقال الملك: هذا من المحال أن يكون فيهم مثلك! فقال: إن أحب الملك أن آتيه بعشرة منهم من يسمع خطابهم. فقال الملك: أرسل فاطلبهم. فقال عمرو: لا يأتون برسالة، وإنما إن أراد الملك مضيت وأتيت بهم. فقال الملك لوزرائه: إذا حضروا قبضنا عليهم والأحد عشر أحسن من الواحد ووردان يفهم ذلك، ثم إن الملك قال لعمرو: امض ولا تبطئ عليَّ، فوثب عمرو قائمًا وركب جواده، فقال الملك بالقبطية: لأقتلنهم أجمعين.

فلما خرج من مصر، قال له وردان ما قاله الملك، فلما وصل إلى الجيش أقبلت الصحابة وسلموا عليه وهم يقولون: والله يا عمرو لقد ساءت بك الظنون، فأقبل يحدثهم بما وقع له معهم وبما قالوه وبما قاله وردان فحمدوا الله على سلامته وكان أقبل الليل، فلما أصبح صلى عمرو بالناس صلاة الفجر وأمرهم بالتأهب للقتال وإذا برسول الملك قد أقبل وقال له: إن الملك ينتظرك أنت والعشرة، فقال عمرو: إن الغدر يهلك أصحابه وأهله وإن على الباغي تدور الدوائر، يا ويلكم ينفذ صاحبكم يطلب منا رسولًا، فلما أتيته أراد أن يقضي عليَّ، وقال كذا وكذا فأنت يا ويلك ما الذي يمنعني عنك إذا أردت قتلك ولسنا نحن ممن يخون ويغدر! ارجع إليه وقل له: إني فهمت ما قاله وما بقي بيننا وبينه إلا الحرب.

قال ابن إسحق رحمه الله ورضي عنه: هكذا وقع له مع القبط، وكان عمرو إذا ذكر ذلك يقول:"لا والذي نجاني من القبط". قال: وعاد الرسول وأخبر الملك بما قاله عمرو، فعند ذلك قال: أريد أن أدبر حيلة أدهمهم بها، فقال الوزير: اعلم أيها الملك أن القوم متيقظون لأنفسهم لا يكاد أحد أن يصل إليهم بحيلة ولكن بلغني أن القوم لهم يوم في الجمعة يعظمونه كتعظيمنا يوم الأحد، وهو عندهم يوم عظيم وأرى لهم من الرأي أن تكمن لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت