فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 611

قال عامر: وخرج إلينا أهل الدير بأجمعهم ومعهم الطعام والعلوفة فأكلنا وأقمنا عندهم إلى الليل. فقال شيخهم الذي أشار عليهم بقبض القس الرومي لخالد: أيها السيد إني قد تفرست فيك الشجاعة فبالله من أنت من أصحاب محمد؟ فقال: أنا خالد بن الوليد المخزومي. فقال: أنت وحق ديني الذي فتحت بلاد الشام وأذللت ملوكها وبطارقتها وإن صفتك عندي ثم إنه دخل الدير وأتى ومعه سفط ففتحه وإذا فيه بين أوراقه ورقة وفيها صفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وزيه وصورته وصورة أبي عبيدة وصورة خالد بن الوليد والسيف في يديه مشهور. قال: ما زلت أسمع أخبارك كلها فلم عزلك عمر بن الخطاب وولى غيرك؟!

فقال خالد: اعلم أن عمر هو الإمام وهو الخليفة ومهما أمرنا فلا نخالفه فإن الله أمرنا بذلك في كتابه فقال تعالى:"أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ"، فطاعته فرض علينا، لأنه يحكم بالعدل ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإنا قد وجهنا إليه خمس الغنائم من الفتوح كلها من الأموال فما ازداد في الدنيا إلا زهدًا، ولا آثر الدنيا على الآخرة؛ بل مجلسه على التراب ولبسه المرقعة ويمشي في سوق المدينة متواضعًا راجلًا، فالتواضع لباسه والتقوى أساسه والذكر شعاره والعدل في الرعية دثاره وما زال يعطف على اليتيم ويرفق بالأرملة والمسكين ويرفد أبناء السبيل، فظ في دين الله غليظ على أعداء الله، قائم بشعائر الله، لا يستحيي من الحق ولا يداهن الخلق. فقال القس: أكانت له الهيبة على عهد نبيكم؟

قال خالد: نعم سمعت سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - يقول: استأذن عمر فأذن له فدخل ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك. فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله. قال:"عجبت من هؤلاء اللواتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب". فقال عمر: أنت أحق أن يهبنك وقال لهن: يا عدوات أنفسكن أتهبنني ولا تهبن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! فقلن: نعم أنت فظ غليظ دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غيره". فلما سمع القس ذلك قال: بركة نبيكم عادت على إمامكم وعليكم. فقال خالد: وما يمنعك من الدخول في ديننا؟ فقال: حتى يشاء صاحب هذه الخضراء! ثم قال لخالد: أريد أن أعطيكم من صلبان هذا الدير حتى تكمل حيلتكم. وأخرج لهم صلبانا كثيرة فأخذها خالد ودفعها لرفاعة بن قيس وبشار بن عون، وتزيوا بزي الذين قتلوهم من آل غسان، وارتحل خالد بعدما وكَّل بالدير عشرة من أهل وادي القرى لئلا يخرج أحد بأخبارهم ويقربوا للملك بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت