فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 611

بالذل بعد العز والفقر بعد الغنى؟! وقد كتب إلينا ملك مصر بأن نجيء إليه فأرسل إلينا بالخلع وطيب قلوبنا.

قال عامر: فضحك اللعين من قولي وقال لي: إن آل غسان أكثرهم يعرف بكلام الروم وحق ديني ما أنتم منهم وقد صح قولي: إنكم مسلمون. فقلنا له: يا ويلك لو كنَّا من الذين تقول عنهم ما كنا نأتيكم بالنهار وكنا نكمن ونسير في الليل حتى نصل إلى أصحابنا وإنك استحقرت المسيح إذ جعلتنا من أصحاب محمد فقد وقعت في ذنب عظيم! ثم إننا بالقرب منهم. فقال أصحابه: يا أبانا ليس هؤلاء القوم ممن ذكرت فلو كانوا مسلمين ما جسروا أن يدخلوا أرض مصر في ضوء النهار ولا يقربوا العمران. فقال: وحق ديني أنا أعرف الناس بهم وإنهم مسلمون بلاشك، فامتنعوا منهم ولا تخرجوا لهم طعامًا ولا ماءً، وسأنفذ خبرًا للملك بذلك فيكون منهم على حذر.

قال عامر: وكان من لطف الله بنا أن الرهبان الذين بالدير لما سمعوا كلامه قال بعضهم لبعض: يجب علينا أن نأخذ لنا منهم صلحًا فنكون آمنين من غائلتهم ولا نبرح من ديرنا هذا. فقال أكبرهم: إن أنتم فعلتم ذلك فإننا لا نعلم من ينتصر من الفريقين: أصحابنا أم العرب؟ فان كان النصر لأصحابنا خفنا من هذا القس أن يعلم بنا الملك أننا صالحنا المسلمين بغير أمره فإنه يقتلنا، وإنَّ هذا اللعين تعلمون أنه على غير مذهبنا وهو في كل يوم يكفرنا لأنه نسطوري ونحن يعقوبية، فإن أنتم أردتم صلح هؤلاء العرب فدونكم وهذا القس فاقبضوا عليه وسلموه لهم وخذوا منهم أمانًا. فقبضوا عليه وأشرفوا علينا وقالوا لنا: بحق ما تعتقدون من دينكم أنتم من أصحاب محمد أم لا؟ فإنا قد قبضنا على هذا اللعين ونريد أن نسلمه لكم وأنكم تعطوننا أمانًا فإنا قوم لا نعرف حربًا ولا قتالًا. فقال لهم مالك الأشتر: يا هؤلاء أما ما زعمتم من صلحنا فإنا نصالحكم وما كان أمرنا بالذي يخفى ولا نرضى بالكذب فإنه أشنع شيء عندنا، ولاسيما أن الإسلام يمنعنا من استعماله، ولو أن السيف على رأس أحدنا إذا سئل عن دينه أجاب به وتكلم بوحدانية الله تعالى، ونحن من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ولكم الأمان وهذا أمان الله ورسوله. فلما سمع الرهبان من مالك ذلك نزلوا وفتحوا الباب وسلموا لنا القس. فقال له خالد: يا عدو الله أردت أمرًا وأراد الله خلافه! ثم إنَّه عرض عليه الإسلام فأبى وقال: أنا هربت منكم من الشام ثم أوقعني المسيح في أيديكم وما أظن إلا أن المسيح مسلم فافعل ما أردت! فضربوا عنقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت