فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 611

كما أمرني خالد ونزلت عن فرسي وأسلمته لغلامي دارم ومضيت نحو الجبل وكمنت بين الأحجار. وأما خالد فقد أمر أصحابه بلبس الخلع التي أرسلها لهم ابن المقوقس فلبسوها فوق دروعهم ولبس رفاعة بن قيس وبشار بن عون أحسنها وغيَّر خالد زيه والمقداد وعمار ومالك الأشتر. فلما وصل مقدم جيش القبط قال خالد لرفاعة وبشار: ترجلوا له واصقعوا بين يديه وصلِّبوا على وجوهكم فليس عليكم في ذلك حرج واحلفوا بالمسيح والسيدة مريم! وإياكما والغلط بأن تذكروا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فيفطن القوم لنا! واجعلوا الجهاد نصب أعينكم، وتوكلوا على الله في جميع أموركم، ففعلوا ما قال لهم خالد وترجلوا عند رسول القبط وصقعوا له.

.عن عامر بن هبار قال: يا عم اعلم أن الله إذا أراد أمرًا هيأ أسبابه، وذلك أننا لما أشرفنا على أول ديار مصر نزلنا على دير يقال له دير مرقص وكان ديرًا عامرًا بالرهبان فلما نزلنا عليه أشرف علينا أهله وقالوا: من أنتم؟ قلنا: نحن من أصحاب الملك هرقل ملك الشام وقد جئنا لنصرة صاحبكم فإنه قد أرسل إلينا يستنفرنا لأجل هؤلاء العرب. ففرحوا بنا ودعوا لنا، وكان كبيرهم والمقدم عليهم في دينهم شيخًا كبيرًا وكان من قسوس الشام وكان من أعلم القوم بدينهم وأعرف الناس بآل غسان وكانت"الضيحا"قد أقطعها هرقل للملك جبلة بن الأيهم وكان قد جعل على جبايتها ولد هذا القس وكان اسمه"نونلس بن لوقا"، وأن المسلمين لما فتحوا بعلبك وحمص هرب هذا القس بأمواله وأولاده إلى طرابلس وركب البحر في مركب وتوصل إلى مصر، وبلغ خبره المقوقس فأحضره وسأله عن حاله فحدثه بأمره فخلع عليه وجعله قيمًا في الكنيسة المعلقة التي في"قصر الشمع"وصار من أصحاب سكناه في دير مرقص ولا يدخل مصر إلا في أمر مهم، فلما نزل عمرو بمن معه عليهم وقتل ابن المقوقس أباه احتاج إلى رأي البترك فأرسل إليه وأنزله في الكنيسة، وولى البترك مكان هذا القس"نونلس"فكان في الدير فلما نزل خالد بن الوليد ومن معه على الدير.

قال عامر بن المبارك الثعلبي: فأشرف علينا وتأملنا وكان أعرف الناس بخالد بن الوليد لأنه رآه في مواطن كثيرة من الشام، وكان صاحب حمص قد أرسله رسولًا إلى أبي عبيدة ليصالحوهم. فجعل يتفقدهم وينظر في وجوههم، ثم قال: وحق المسيح ما أنتم من آل غسان وما أنتم إلا من عرب الحجاز وقد جئتم لتحتالوا علينا فإني رأيت إمامكم الذي فتح الشام وقتل ملوكها وسوف أكاتب الملك بقصتكم ليقبض عليكم، فقالوا: ما عندنا خبر من الذي تقوله وقد خيل لك ذلك! أَمَا علمت أن المسلمين ما خلوا لنا حالًا وقد نهبونا وأصبحنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت