فهرس الكتاب
ووضعوا فيهم السيوف، فلما نظر"أرسطوليس"إلى ما نزل به والكبسة التي وقعت بعسكره لم يكن له دأب إلا أن ركب وأحدقت به مماليك أبيه وأرباب دولته وطلبوا بالهزيمة وقصدوا البحر وعدوا الجانب الغربي وطلبوا إسكندرية فجازوا على مدينة مريوط وفيها الموبذان الساقي ومعه ثلاثة آلاف من عسكره، فلما أن صاح الصائح في مصر بأن الملك انهزم وما ثبت أحد من عسكر القبط، ولَّوا والسيف يعمل فيهم وغرق منهم في البحر خلق كثير ونصر الله المسلمين.
قال ابن إسحق: قتل في تلك الليلة من عسكر القبط خمسة آلاف وغنم المسلمون أثقالهم وما كان فيها من الأموال، فلما أقبل الصباح اجتمع خالد بالمسلمين وسلم بعضهم على بعض وهنوهم بالسلامة ودخلوا مصر وملكوا دورها وأحاطوا بقصر الشمع فأشرف عليهم"أرجانوس بن راعيل"أخو"المقوقس"، وقال لهم: يا فتيان العرب اعلموا أن الله قد أمدكم بالنصر وقد فعلت في حقكم كذا وكذا ولولا حيلتي على ابن أخي لما انهزم منكم، وقد ظفرتم الآن ونحن نسلم إليكم على شرط أنكم لا تتعرضون لنا ولا تمدون أيديكم لنا بسوء، ومن أراد منا أن يبقى على دينه يؤدي الجزية، ومن أراد أن يتبعكم يتبعكم. فقال له معاذ بن جبل: قد نصرنا الله على الكفار بصدق نياتنا وصلح أعمالنا واتباعنا للحق، وإنا ما قلنا قولًا إلا وفيناه ولا استعملنا الغدر ولا المكر، وأنتم لكم الأمان على أنفسكم وأموالكم وحريمكم وأولادكم، ومن بقي منكم على دينه فلن نكرهه، ومن اتبع ديننا فله ما لنا وعليه ما علينا!
فلما سمع"أرجانوس"ذلك نزل إليهم بالمفاتيح فأمَّنوه وأمَّنوا من كان معه في القصر، وجمعوا أكابر مصر ومشايخها وقالوا لهم: إن الله قد نصرنا عليكم، وقد انهزم ملككم منا وأنتم الآن في قبضتنا وقد صرتم مماليكنا ومن أسلم منكم قبلناه ومن أبى استعبدناه، فقالوا: أيها الملك ما هكذا بلغنا عنكم. قال: وما الذي بلغكم عنا؟ قالوا: سمعنا عنكم أن الله قد أسكن الرحمة في قلوبكم وأنتم تعفون عمن ظلمكم وتحسنون إلى من أساء إليكم! وأنت تعلم أننا قوم محكوم علينا ولو كان الأمر إلينا لاتبعناكم فارفقوا بنا وانظروا في أحوالنا! فقال عمرو لأصحابه وللأمراء: ما ترون من الرأي في أمر هؤلاء القوم؟ فقال شرحبيل بن حسنة: اصنع ما أمر الله به من العدل فيهم وأحسن إليهم وطيب خواطرهم فإننا إذا قصدنا غير هذه المدينة وسمع أيها الأمير عنك أهل المدينة الأخرى ما فعلته مع أهل مصر يسلمون بغير منازعة ولا حرب! فقال معاذ بن جبل وغيره: القول الذي قاله كاتب وحي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المعمول به. فقال عمرو لأهل مصر: قد أمَّناكم على أنفسكم وأولادكم وحريمكم منة منا