فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 611

يتبعه أحد من عسكره وهو وراءه وحده إلى أن رماه في حلل العرب في حلة أبي ثوب، فقام إليه وعظمه وبجله وعلم أنه الملك فأمسك ركابه وأنزله في بيته وذبح له الأغنام ووضع له الطعام وتلاحق الجيش. فأضافهم أبو ثوب ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع، ركب في خدمة الملك وشيعه وعاد، فلما دخل المقوقس إلى مصر أمر وزيره بأن يكتب إلى أبي ثوب بولاية تنيس وأعمالها وأرسل له الخلع والأموال والمماليك والغلمان، فلما وصل إليه منشور الملك وخلعه فرح أبو ثوب وركب وسار إلى الفرماء وركب منها في المراكب إلى تنيس، فلما مكث في ولايته بعث إلى أهله وإخوته فأتوا إليه، فولى أخاه أبا سيف على جزيرة الصدف، وولى أخاه الثاني أبا شق على جزيرة الطير، وولى ولده على"دنيوز".

ومرت الأيام والليالي حتى قدم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض مصر، ورأى نفسه في تلك الجزيرة فتحصن بها وقال: ما أحد يقدر أن يصل إليَّ، فلما قدم شطا ويزيد بن عامر ونظر إليهم أبو ثوب أظهر الإعجاب والتكبر ولم يلتفت إليهم ولم يجسر أحد من جماعته أن يأذن لهم بالجلوس، فلما نظر إلى ذلك يزيد بن عامر قرأ"إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"، وجلس إلى جانبه شطا، ونظر يزيد إلى سرير أبي ثوب فإذا هو من الذهب وفيه صورة النخلة ومن تحتها صورة مريم والمسيح في حجرها فقرأ"فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا"، إلى قوله:"قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا". فلما سمع أبو ثوب كلام يزيد، التفت إليه بغضب وحنق وقال: ما هذا الكلام الذي نطقت به؟ قال يزيد: هذا كلام الله - جل جلاله - الذي أنزله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي لا تفنى عجائبه، ولا تنفذ غرائبه، ولا تبدل كلماته، ولا تمل آياته. فقال: ما معنى الذي ذكرت ونطقت به، وما تفسيره؟ فقال يزيد: أما قول الله إخبارًا عن عيسى حين قال:"إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ"فإنه يعلم الخلق أنه عبد الله وليس بولد، جل الواحد الأحد الفرد الصمد. وأما قوله:"آَتَانِيَ الْكِتَابَ"فمعناه أعلمكم الأحكام وأعرفكم الحلال والحرام، وأما قوله:"وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ"فمعناه أني مأمور بالطاعة والخدمة والزكاة مثلكم فإن في مالي حقًا لله، وأما قوله:"وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ"فيعلمهم أنه يموت ومن يموت لا يكون له العزة والجبروت، وأما قوله:"وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا"، فيعلمهم أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت