فهرس الكتاب
وإياهم مبعوثون في يوم القيامة وقوف يوم الحشر والندامة، ولو كانا إلهين لهما إرادتان وقع الخلف بينهما، وأن الحكمة غير ذلك، وهي على وحدانيته شاهدة.
فلما سمع أبو ثوب من يزيد بن عامر هذا المقال، قال: لقد مثلتم بالأباطيل وغرقتم في بحر الأضاليل! فقال يزيد: الله أعلم من هو تائه في تيه المحال مشرك بالملك المتعال، الذي لا سماء تظله ولا أرض تقله، ولا ليل يؤويه ولا نهار يأتيه، ولا ضياء يظهره ولا ظلام يستره، ولا يقهره سلطان، ولا يغيره زمان، كل يوم هو في شأن، أَمَا لكم بصائر؟ أَمَا منكم من ينظر ويعتبر في قدرة الله القادر؟ أَمَا منكم من يعظ نفسه بذهاب النهار وإقبال الليل؟ أما آن لكم أن تنزهوه؟! أما آن لكم أن توحِّدوه؟! أما سمعتم ممن تعبدونه، وتبرؤون إليه وتعظمون، فإن المسيح قد أقر له بالعبودية وتبرأ من دعوى الربوبية! وقال: إنِّي عبد الله، ولقد بشر بنبينا قبل مبعثه وعرف بني إسرائيل بقربه من الحق وكرامته، أما سمعتم بمعجزاته. أما هو من أطيب بيت من مضر؟!
فعجز أبو ثوب عن رد الجواب، ولم يكن له ما يزيل حجته إلا أن قال ليزيد بن عامر: لقد علمنا ما فعل، ولكنه كان ساحرًا، وإن كان قولك هذا حقًا، فادع الله وتوسل إليه بمحمد أن يسقينا الغيث، فإن جاء الغيث علمنا أن قولك ليس فيه شك، ونؤمن بالله ونصدق برسالة محمد. قال يزيد: إنَّ الله يقدر على ما ذكرت، فإن الله على كل شيء قدير، إن العبد المخلص إذا دعاه أجاب دعوته، ولكنه يفعل ما يشاء، وأنا أتوسل إلى الله بخير خلقه وصفيه وهو الفعال لما يريد، ثم إن يزيد قام وخرج من مجلس أبي ثوب. فقال له: إلى أين؟ قال: أدعو الذي لو شاء أنزل عليكم رجزًا من السماء ثم قرأ"بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ".
.عن ابن جبير قال: إنما طلب أبو ثوب الغيث واقتصر عليه لأنه كانت له مزرعة بالبعد من النيل، ولا يقدر أن يسقيها ولا يصل إليها ماء، وكانت قد أشرفت على الهلاك واليبس، وكانت منه ببال، وكان قد غرس فيها من جميع الثمار والأشجار وصنع لها مصانع تمتلئ بماء المطر فيسقيها وقت الحاجة إليها، وكان المطر قد أمسك عنها والمصانع نشفت، فلما خرج يزيد إلى البحر توضأ وصلى ركعتين، ثم رفع رأسه نحو السماء وقال: اللهم إنك قد أمرتنا بالدعاء ووعدتنا بالإجابة، فقلت وأنت أصدق القائلين:"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ"، وقد دعوت كما أمرت، فاستجب كما وعدت يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدًا ولا يحصيه غيرك.