فهرس الكتاب
والدنيا هي طالق وإنِّي بعون ربي واثق، ولاشك أنِّي لك مفارق. فقال أبوه: أعوذ بالله يا بني ما هذا الكلام. ولعل ذلك أضغاث أحلام.
قال: لا والله ما هي أضغاث أحلام لكنه أمر من الملك العلام، وإني رأيت في منامي كأن أبواب السماء قد فتحت، وأنوار الهداية قد سطعت ولمعت، ثم تفتحت، أبواب السماء الثانية ثم رأيت ملائكتها سجودًا على جباههم لا يقومون وركعًا لا ينتصبون وقيامًا من هيبة ربهم لا يقعدون وباكين لا تجف لهم دموع، ثم كذلك رأيت سماء بعد سماء إلى السماء السابعة، ثم رأيت قبة من زمرد أخضر وفيها قناديل من الجوهر وهي تسرج من الأنوار وتوقد من غير نار وفيها أربعون حوراء عليهن حلل ما رأيت قط مثلها ولا أبصرت شكلها بوجوه تفتن الإنس وفي أرجلهن نعال الياقوت الأحمر يطأن بها على النمارق والزرابي فصاحت بي إحداهن وهي كبيرتهن. وقالت:"يا مفتونًا بدار الدنيا أما آن لك أن تذكرنا فقد خلقنا الله لك منذ خلقك، وجعل مهرنا منك الجهاد في مرضاة رب العباد، وقد ألفت الجفاء، وما هكذا صنع أهل الوفاء، انظر إلى ما أعد لك وللشهداء"، فنظرتُ وإذا بقباب معلقة حيث لا يدرك لها نهاية بعدد النجوم وقطرات الغيوم، وقد نفد الميقات، وانقضت الساعات والأوقات، فتيقظ في المنام وارحل إلى دار السلام، وقالت: في كل قبة مثل ما رأيت، فقلت: ما هذه القباب؟ فقالت: هذه قباب قوام الليل والشهداء يأوون إليها في جنة المأوى.
فقال أبوه: اعلم يا ولدي أن من المنام ما يصدق وما يكذب فلا تشغل نفسك بما رأيت. فقال: لا والله يا أباه ما بقي لي في الدنيا طمع ثم ودع شطا أباه وأهله وخرج إلى الحرب فتعلق به أبوه وقال له: يا بني بحقي عليك لا تبلني بفراقك. فقال شطا: دع عنك العتاب، فقد قرب لقاء الأحباب، فعندها أقبل البامرك يودع ولده ويقول: يا بني إن صح منامك وضربت في دار السلام خيامك فاذكرنا بحسن طريقة الوفا وأقرئ سلامي على النبي المصطفى، فبرز شطا إلى الحرب ودعا للبراز فخرج إليه واحد فقتله وثان وثالث حتى قتل اثني عشر فارسًا.
قال ابن إسحق: فلما رأى أبو ثوب ما فعل شطا بفرسانه لم يطق الصبر دون أن خرج إليه بنفسه وكان من الفرسان المذكورة، فلما سار إلى شطا في الميدان قال له: يا شطا كيف تركت الدين المستقيم وعدلت عنه وصغيت إلى هؤلاء اللئام واتبعت دين الإسلام؟ لقد عمل فيك القوم واستوجبت العتب واللوم يا فتى عد إلى الدين الصحيح والقول الرجيح وهو دين المسيح فأي شيء رأيت من هؤلاء المساكين حتى تبعت دينهم؟! فلما سمع شطا كلام أبي