فهرس الكتاب
ثوب أقبل عليه مغضبًا وقال له: يا لئيم أتأمرني أن أدع الدين المستقيم الذي كان عليه الخليل والكليم، وأنَّى لي بذلك وقد رأيت الليلة ما لي من الكرامة عند الله، وقد طلقت الدنيا ثلاثًا، فلما سمع أبو ثوب كلامه حمل عليه ومد سنانه إليه فتلقاه بقلب قوي وتقاتلا نصف نهار فعطش شطا فأراد الله أن يطيب قلبه فكشف عن بصره فرأى القبة التي رآها في المنام والحوراء وفي يدها كأس وهي تقول: يا شطا هذا شراب من شرب منه لا يسقم ولا يفيق والساعة تصل إلينا وتقدم علينا.
فلما نظر شطا إلى ذلك وسمع منها ما قالت صاح الله أكبر"هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ"، وأخذه الدمع والبكاء خوفًا من الله. فقال له أبو ثوب: مم بكاؤك؟! قال: رأيت كذا وكذا، فضحك أبو ثوب من كلامه وحمل عليه فتقاتلا قتالًا شديدًا أعظم من الأول إلا أن أبا ثوب سبق شطا بطعنة في صدره فأطلع السنان من ظهره فخرَّ صريعًا، فلما نظر البامرك إلى ولده مطروحًا لم يأخذه صبر دون أن حمل عليه هو وأصحابه. وأظلمت آفاق تلك الأرض من الغبار وترادف القتال فوقعت الهزيمة على البامرك وأصحابه فألجأهم إلى أبواب دمياط وطمع فيهم عدو الله أبو ثوب، وإذ قد أتاهم هلال بن أوس بن صفوان بن ربيعة فوضعوا أيديهم في أبي ثوب وأصحابه وهم ينادون بالتهليل والتكبير وتحامى أصحاب البامرك وحملوا من قبلهم.
وأما أبو ثوب وأصحابه فإنهم أيسوا من أنفسهم، فهم في ذلك إذ التقى يزيد بن عامر بأبي ثوب. فقال له: يا عدو الله أما اتعظت بآيات الله. أما ظهر لك الحق من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! وأطبق عليه فأخذه أسيرًا وصاح الصائح أن أبا ثوب أسر فاستسلم قومه للقضاء فأخذوهم عن آخرهم بعدما قتل منهم خلق كثير، ثم إنهم عزوا البامرك في ولده شطا. فقال: احتسبته عند الله فقال له يزيد بن عامر: إن في الجنة درجات لا ينالها إلا الصابرون، قال الله تعالى:"وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ". ودفنوا شطا في ثيابه بعدما صلوا عليه. فلما كان الغد أقبل البامرك إلى يزيد بن عامر، وقال: رأيت الليلة ولدي في النوم وهو في القبة والحور بين يديه. فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: قبلني بأحسن قبول وجاد عليَّ وأنزلني بجوار الرسول.
حدثنا ابن إسحق حدثنا عمر بن الأسقع عن جده عامر بن خويلد قال: إن هلال بن أوس نزل وأحضر أبا ثوب وعرض عليه الإسلام فأسلم، وأسلم من الأسرى أناس، وأبى منهم أناس