فهرس الكتاب
دينك الأول أفضل منه فرجعت إليه؟! فقال"يوقنَّا": أي بنية والله ما أتيت إليك إلا من شفقتي عليك وقد افترقنا في الدنيا وأخاف أن يكون الفراق في الآخرة أيضًا؟ وقد علمت وتيقنت أن هذين الحصنين نصب أعين المسلمين، وأنت تعلمين أن قلعتي كانت أمنع من كل قلعة بالشام، وقد ملكتها العرب ونزعت ملوكها عن أرضهم وبلادهم فاتقي الله يا بنية في نفسك واعملي لخلاص نفسك من الزبانية والخلود في الهاوية وارجعي إلى الله من قريب واكفري بدين الصليب، فوالله ما ثم دين أفضل من دين الإسلام، وعليه كان المسيح والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإنما غرر بالنصارى وحيدهم عن طريق الحق رجل يقال له"بولص"كان من اليهود أضلهم عن الطريق المستقيم وشرع لهم الضلال القديم حتى كفروا بما جاء به الخليل إبراهيم وهؤلاء العرب قد اتبعوا ما أمر الله به وأمر نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ولديهم القول الراجح والفضل الصالح فارضي لنفسك ما رضي أبوك لنفسه. فقالت: والله ما قلت شيئًا إلا وأنا به عارفة وقد رضيت لنفسي ما رضيت لنفسك، وأنا أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
ففرح بإسلامها؛ ثم قال: أي بنية ما الذي نصنع في أمر هذا الكافر اللعين الفاجر؟ قالت: والله لقد قال لي الوزير شرجوان إنه مصر على قبضك، وقال: إنك ما أردت إلا لتنصب عليه. فقال"يوقنَّا": إذا كان الأمر كذلك فاصنعي لنا سماطًا وسيري إليه واستدعيه هو وخواصه فأنا آمر أصحابي أن يقبضوا عليهم وعليه إذا اشتغلوا بالطعام والشراب، فإذا فعلنا ذلك كانت القلعتان في قبضتنا ونسلمهم إلى أصحاب نبينا، ثم إني أريهم أننا هربنا منهم إلى أن نحصل في قرقيسيا فلعل الله أن يفتحها على أيدينا وهذا هو الرأي.
قال الواقدي: فلما ذهب الليل وأتى النهار أمرت جماعتها بصنع الطعام والحلويات وغيرها، فلما صنعوا ذلك وصفُّوا الموائد وعليها من كل حار وبارد نزلت في السرب وقصدت أشفكياص في قلعته ووقفت بين يديه وصقعت له فقام لها إعظامًا وقال لها: كيف الملك"يوقنَّا"وأحواله؟ فقالت: أيها الملك إنه ما نام الليل، وهو متفكر في القيامة وأحوالها والجحيم ومآلها، ولقد أراد اليوم المسير إلى مدينة"قرقيسيا"، وأن يقصد الراهب المعظم"قرياقوس"وقد أخرته إلى أن تحضروا معه على السماط وتمضي أنت وهو إلى"جرجيس"حتى يرجع إلى دينه، وقد جئت إليك لتحضر سماطي وضيافتي أنت وأصحابك وخواصك وتأكلوا من طعامي وتشربوا من شرابي ومدامي، والكل من فضلك وإنعامك وإحسانك، وتجبر خاطري. فأبى أشفكياص مما دخل على قلبه من"يوقنَّا"إذ لم يبت عنده وخاف أن