فهرس الكتاب
قال الراوي: وإن الجارية مضت واستدعت بجواريها، وأخذت من مال أبيها ألف دينار، فلما جنَّ الليل فتحت باب السر بعدما تجسست فرأت كل من في قصر أبيها نيامًا فأتت إلى سهل وحلَّته من وثاقه وقالت له: قم على اسم الله وبركة نبيه فقام سهل بن إساف إلى الباب وأعطته لأمة حرب ولبست هي مثلها وخرجا من الباب وإذا هما بجوادين فركبا وخرجا وسارا.
حدثنا صفوان بن عامر عن خويلد بن ماجد عن عبد الرحمن بن النعمان عمن حدثه عن فتوح الشام وأرض ربيعة الفرس قال: لما نزل عسكر المسلمين على قرقيسيا مع عبد الله وسهل خندقوا على أنفسهم خندقًا وتركوا لهم موضعًا يدخلون منه ويخرجون. واتصلت الأخبار بعياض بن غنم وهو بجانب الرقة، وهو يتروى فيمن يبدأ بحربه ب"شهرياض"وجنوده أو ب"حران"و"الرها". فقال له خالد بن الوليد - رضي الله عنه: أتترك جيشًا قد تهيأ واحتفل لقتالك وتمضي لسواه، والرأي أن تلقى هذا العدو. فإذا أنت هزمته وأوقعت الهيبة هنا فاقصد ما شئت من البلاد فإنها تفتح إن شاء الله تعالى. فعوَّل عياض على ذلك وإذا قد أتته جواسيسه وأخبروه أنه قد تهيأ لحربكم الملك شهرياض ونوفل و"طرباطس"صاحب دارا و"المؤزر"صاحب جملين و"أرمانوس"صاحب تل سماوي و"أرجو"صاحب البارعية و"شهرياض"صاحب ماردين و"رودس"صاحب حران والرها وقد صارت جريدتهم مائتي ألف وقد ضمنوا للملك لقاءكم، وقالوا: لا نلقى العدو إلا بأهالينا وأولادنا وأموالنا وحريمنا حتى لا ينهزم منا أحد، وقد تقدم إليكم الأرمن وبعدهم الروم وهم دون الفرات!
فلما سمع عياض ذلك بعث إليهم الوليد بن عقبة ووصاه بما أراد فقدم على بني تغلب وجمع أمراءهم وهم نوفل بن مازن وعاصم والأشجع وميسرة وحزام وقارب وقال: يا فتيان العرب اعلموا أن من نظر في العواقب أمن من المعاطب، وليس أنتم أحد سننا ولا أقوى جنانًا ولا أجرأ في الجولان ولا أوسع ميدانًا من بني غسان، وليس فيكم من يشبه جبلة بن الأيهم وكان في ستين ألفًا، وقد نصرنا الله عليهم وقتلنا ساداتها، والصواب أن ترجعوا إلينا وتكونوا من حزبنا. فأجابوه بأجمعهم إلا طائفة إياد الشمطاء فإنهم ارتحلوا إلى بلاد الروم ووصل عرب بني تغلب إلى جيش ابن غنم مسلمهم وكافرهم فرحب بهم وطيب قلوبهم، وقال لهم: يا معاشر العرب إن الله - سبحانه وتعالى - قد أراد بكم خيرًا بوصولكم إلينا ونزوعكم عن عبدة الصليب، وقد أراكم الله إعزاز دينه وشرف نبيه وقد وعدنا ووعده الحق بملك كسرى وقيصر وأخذ كنوزهما وما كان ينطق عن الهوى وقال الله في حقنا:"وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"، فأسلم كافرهم وبقوا جميعهم مسلمين.