فهرس الكتاب
قال الراوي: أخبرنا سيف عن خالد بن سعيد قال: لما علم عياض بهروب إياد الشمطاء إلى بلاد الروم كتب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بذلك فأرسل عمر - رضي الله عنه - إلى هرقل وولده قسطنطين يقول لهم: إن لم تصرفوهم عن أرضكم لأفنين كل نصراني عندنا. فلما وصلت رسالة عمر إلى هرقل وولده أنفذ بهم إليه. وعزم عياض على لقاء الملك شهرياض.
وأما ما كان من شهرياض صاحب قرقيسيا فإنه جمع بطارقته وقال لهم: اعلموا أنه قد بلغني عمن تقدم من الملوك أنهم كانوا يجيشون الجيوش ولا يستغنون عن الحيل وأنا أريد في غداة غد أن أخرج إلى لقاء العرب، فإذا اصطفت الصفوف فرجلوني عن جوادي وأشهروا علي سلاحكم كأنكم تريدون قتلي فأقول لكم: أنا معتذر إنما أردت أن أجرب خبر حميتكم لدينكم وظننت أنه قد أخذكم الخوف من هؤلاء فإذا سمعتم مني ذلك فأرجعوني إلى إجلالي وإعظامي، ثم ناوشوهم الحرب فأهرب أنا إليهم وأقول لهم إني أردت أن أسلمكم البلد فهاش القوم علي كما رأيتم وهموا بقتلي وقد جئت إليكم راغبًا في صحبتكم فإذا أمَّنوني وغفلوا عنِّي قتلت أميرهم في الليل وأنا أعلم أن القوم بعده يهون علي أمرهم ثم أعول على انهزامهم! فقال له وزيره الأرمني: وكيف تسمح بنفسك وتلقيها في أضيق المسالك وإن أنت فعلت ذلك لا نأمن عليك من العرب ويعتبنا خالك ويقول لنا كيف تركتموه يمضي إلى العرب؟ فقال عبد الله"يوقنَّا": لقد صدق السيد في قوله وكيف نتركك تمضي إليهم وأنا أدبر لك مع هؤلاء القوم تدبيرًا يكون أقرب من هذا وأهون.
فقال شهرياض والوزير الأرمني: وما هذا التدبير أيها الملك؟ قال: أن نخرج غدًا بأجمعنا ونلقاهم ونريهم الجد من أنفسنا ونقاتل بحسب الطاقة ثم ننهزم إلى المدينة ونستوثق من أبوابها ونصعد على السور فربما قربوا منا فلا نقاتل. فإذا فعلنا ذلك طمعت العرب فينا ودنوا منَّا واعلموا أن في عسكرهم جماعة من الروم ممن صبأ إلى دينهم فربما قربوا منَّا فإذا أرادوا ذلك كتبنا إليهم نطيب قلوبهم ونرسل رسولًا في طلب الصلح ونقول: أرسلوا إلينا عشرة من عقلائكم حتى نرى ما تريدون منا ولعلنا نعقد معكم صلحًا فإذا فعلوا ذلك وحصلوا عندنا قبضنا عليهم ونشهر سيوفنا عليهم ونقول لهم: إمَّا أن ترحلوا عنَّا وإلا ضربنا رقابهم فإن القوم إذا أرادوا الجد منا طلبوا صلحنا بأصحابهم ورحلوا عنا، والعرب إذا قالوا قولًا وفوا به، فإن هزموا الملك شهرياض واحتووا على بلاده دخلنا بعدها تحت طاعتهم وارتحلنا عنهم إلى بلاد الروم.