فهرس الكتاب
وإنما أراد"يوقنَّا"بهذا الكلام أمرين: أحدهما أن يبرأ عندهم من التهمة حتى يطمئنوا إليه. والثاني أن يحصل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة في المدينة فيحتال أن يكونوا تحت يده ليثور بهم فيملك بهم المدينة. فقال له وزيره الأرمني: وإن كان العرب يبعثون إلينا صعاليكهم أو مواليهم فنقبض عليهم ونهددهم بالقتل فلا يلتفتون إلى ذلك ويقع الجد منهم في قتالنا ولا يرحلون عنا فكيف تصنع. قال: فأراهم"يوقنَّا"أنه غضب وحول وجهه، وقال: وحق المسيح لقد دخل رعب القوم في قلوبكم ولن تفلحوا بعدها أبدًا، وحق ما أعتقده لقد قاتلتهم في قلعتي بحلب قتالًا سارت به الركبان إلى سائر البلدان مدة سنة كاملة، ولولا أن عبدًا أسود من عبيدهم اسمه دامس أبو الهول وعشرين معه نصبوا حيلة عليَّ حتى ملكوا قلعتي لما قدروا عليها أبدًا، وكانوا قد نزلوا علي بجميع عسكرهم وأبطالهم فكيف بكم وما نزل عليكم إلا شرذمة يسيرة وبلدكم حصين، ليس عليه قتال إلا من موضعين من صوب الجبل ومن الغرب وما لكم عذر، ومن أراد رضا المسيح والأجر قاتل عن دينه وصان أهله وحريمه من هؤلاء العرب، وإن خفتم أن القوم يرسلون إلينا مواليهم أو من لا قدر له عندهم ولا شأن فأنا أعرف الناس بهم وبفرسانهم وأبطالهم ومواليهم وخاصة أصحابهم فأنفذوا مع رسولكم كتابًا بأسماء القوم الذين أريد منهم، قال فضحك الوزير الأرمني وقال: وحق ديني إن العرب لا يسمحون بهؤلاء قط إلا أن يطالبوا رهائن منكم!
فقال"يوقنَّا": ما أفشل رأيكم وأضعف قلوبكم انفذوا إلى القوم فإن أجابوا كانت بركة السيد المسيح، وإن طلبوا رهائن أرسلنا أضعفنا من أهل المدينة ومن أولادهم وألبسناهم أفخر الثياب وقلنا هؤلاء أكابرنا من أهل المدينة، قال شهرياض: وحق القربان ما نفعل إلا ما أمرتنا، ثم أنه أمر بطارقته وأرباب دولته أن يأمروا الناس بالتأهب للحرب ففعلوا ولبسوا سلاحهم واستعدوا للقتال، وأمر سهل بن عدي أصحابه بالركوب فركبت العرب وخرجت من باب الخندق، واستقبلوا العدو بهمم عالية، وقالوا اللهم انصرنا عليهم كنصر نبيك يوم الأحزاب وعبوا صفوفهم ثم وعظهم وقال في آخر وعظه: ها أنا حامل نحو طاغية الروم وصليبه فاتبعوني، فإن فتح الله بقتله أو أخذ صليبه فالقوم لا ثبات لهم فقالوا: أيها الأمير لقد دعوتنا إلى شيء هو أحب إلينا فاحمل حتى نحمل.
قال محمد بن عبد الله: فحمل هو ومن معه على عسكر قرقيسيا وكان أمير المسلمين عبد الله بن غسان وسهل بن عدي، فلقد قاتلوا قتالًا شديدًا وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وبذلوا رماحهم وسيوفهم في أعداء الله، والتقى عبد الله بن مالك الأشتر ب"يورنيك"الأرمني فلما