فهرس الكتاب
حصنًا، وكانت له ابنة يقال لها مارية، فلما رأت أباها بنى له مكانًا وتحصن فيه بنت أيضًا قلعة بإزائه وحصنتها وجعلت فيها أموالها وذخائرها ورجالها، وكانت كلما خطبها أحد تراه دونها لأنها من بيت المملكة.
وكان بالقرب من قلعتها دير بسفح الجبل وفي الدير راهب قد انقطع فيه وكان من أجمل الناس وجهًا وكان اسمه"فرما"، قال: فأتت إليه زائرة، فلما رأته وقعت محبته في قلبها فلم تزل تتردد إليه وتتجاسر عليه إلى أن صارت بينهما صحبة فسلمت نفسها إليه فحملت منه، فلما تكامل حملها ولدت في خفية ولدًا ذكرًا فسلمته إلى دايتها وقالت لها: انظري كيف تفعلين بهذا الغلام فإني أحبه ولا أريد قتله، لأنه إن علم أبي بقصتي قتلني، ثم أخرجت له ذخائر نفيسة وجعلتها في قماطه وخيطت عليها وقالت: من وقع به ينفقها على تربيته، ثم إنها افتقدت بدنه وإذا على خده الأيمن شامة سوداء بقدر الظفر، ورأت أذنه اليمنى وفيها زيادة. قال: فأخذته الداية ونزلت به ليلًا ومعها خادم وكان مطلعًا على أسرار الملكة فأتت به إلى أسفل القلعة في الطريق الأعظم وهناك عمود من رخام وغالبه غائص في الأرض وقائم على رأس ذلك العمود قاعدة من الرخام فوضعت ذلك المولود على القاعدة خوفًا عليه من الوحش أن يقربه فيأكله ثم رجعت هي والخادم إلى القلعة.
قال الراوي: وكان من قضاء الله وقدره أن صاحب الموصل الملك"الأنطاق"قد بعث رسولًا ل"شهرياض"ثم"أرسوس بن جارس"صاحب ماردين فجاز سحرًا في الطريق الذي فيه العمود فسمع بكاء الطفل فدنا منه وهو على جواده فنظر عصابة الذهب فأخذه وسلمه إلى جارية كانت معه في السفر وقال لها: احتفظي على هذا المولود فلاشك أن له شأنًا، ثم أوصل الرسالة إلى صاحب ماردين وارتحل إلى رأس العين وأعاد الجواب على الملك شهرياض، وأجرى الله على لسانه بأن حدَّث الملك شهرياض بقصة الطفل الذي وجد على العمود فقال: أعطني إياه فإنه ليس لي ولد يرثني ويخلفني في ملكي فدفعه إليه فأخذه الملك ودفعه إلى الحواضن والدايات فربوه إلى أن ركب الخيل ونشأ وترعرع فسماه الملك عمودا، وسماه الناس ولد الملك، وتربى في النعمة وتعلم طريقة الملوك من ركوب الخيل والرماية والقتال والمعالجة والصراع إلى أن سما ذكره وانتشر في الناس فخره، وكان لا يأوي إلى"عين ورعة"بل أكثر زمانه في الصيد والقنص، وبنى له قصرًا على رأس المغارة يأوي إليه وسمي القصر باسمه عمودا، وليس عند أمه مارية خبر بما فعل الزمان به، وانقضت الأيام واندرجت الأعوام حتى قدم عسكر المسلمين يريد فتح أرض الجزيرة.