فهرس الكتاب
فلما انتهى قالت: أيها الملك إن الله بهذا نصركم علينا. قال لها: فمن أنت؟ قالت: أنا"مارية بنت أرسوس بن جارس"صاحب"ماردين"، وإن الذي بأيديكم أسيرًا هو بعلي عمودا ولا صبر عليه، فلما كثرت فكرتي فيه واشتد شوقي إليه رأيت المسيح في نومي والحواريين، وقد أمرني باتباعكم وقد أتيت إليكم بهذه النية بأن أتبع دينكم وأسلم لكم القلعتين قلعتي وقلعة أبي على شرط أن تبقوني في قلعتي ولا تغيروا من أمري شيئًا، وأقيم أنا وبعلي فيها وأكون الحاكمة على أهل بلدي.
فتبسَّم عياض - رضي الله عنه - من قولها وقال: يا مارية أما إنك ما أتيت إلينا إلا لتنصبين علينا بسبب بعلك وكيف يكون هذا بعلك وهو ولدك! وحديثه كذا وكذا. فلما سمعت الجارية الحديث من عياض بن غنم امتقع لونها وتغير كونها وقالت له: يا سيدي ومن أين لك هذا وأن عمودا ولدي وهو ولد الملك شهرياض؟! قال لها رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الليلة وحدثني بذلك كله. فقالت: إني أريد أن أراه، فإن كان ولدي فإن لي فيه علامة! فأمر عياض بن غنم بحضوره فأتى به سعيد بن زيد، فلما نظرت إليه ووقعت عينها عليه ورأت الشامة التي على خده وزيادة صاحت صيحة عظيمة أذهلت من حضر وترامت عليه والتزمته وقالت: لاشك ولدي، وقد صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - في قوله. ونظر الغلام إلى أمه فتحرك الدم في بدنه فغشيَ عليه من البكاء، فلما أفاق بكى بكاءً شديدًا هو وأمه.
فلما سكتا قال لهما عياض: قد وجب عليكما أن توحِّدا الله شكرًا على ما أنعم عليكما فإنه يزيد الشاكرين ورحمته قريب من المحسنين ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين! فلما سمع عمودا ما قاله عياض قال: والله ما في قولك زور ولا محال، وأنا أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله. فلما نظرت أمه مارية إليه وقد أسلم وافقته في الحال وشهدت لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة. فقال عياض بن غنم ومن حضر من المسلمين: تقبل الله منكما إسلامكما ووفقكما، واعلما أن الله قد طهر قلوبكما وغفر ذنوبكما فاستأنفا العمل، ولكن كيف السبيل إلى هذه القلعة المنيعة؟! فقالت: أبشر فإن أصحابكم أسروا عند حران وقد وجههم شهرياض إليَّ لأفدي بهم منكم هذا الغلام عمودا وقد سيرتهم إلى قلعتي، وها أنا أسير إليهم وأحصلهم في قلعة أبي وأفك أسرهم وأملك بهم القلعة إن شاء الله تعالى.
فقال لها عياض: وفقك الله في كل حال، وصرف وجهك عن المحال! ولقد صعب عليَّ أسر أصحابي، ولكن قد طاب قلبي بما قلت من الصواب، فدعي ولدك عندنا وارجعي إلى