فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 611

أبي وأقول هذه الصناديق فيها أموالي وأريد أن أجعلها في خزانة أبي، فإذا حصل القوم عندي رميتهم في المطامير وأقول لهم لست أدعكم حتى ترسلوا إلى أميركم يرسل إلي بعلي.

فقال لها أبوها: إنك تريدين أن تلقي نفسك في الهلاك، وإن العرب لا تتم عليهم الحيل لأنهم هم أربابها! قالت: وإن طلبوا مني رهائن، فإذا وقع الفداء بأصحابهم طلبت الرهائن مع بعلي. فقال لها: دبري ما تريدين فلعل أن يكون فيه المصلحة. فنزلت في الليل وقصدت مرج رغبان ومعها خادم وأربعة مماليك يسوقون بغلتها وعليها من الهدايا والتحف والطرف. فلما وصلت إلى تنيس التقت بغلمان أبيها وحاجبه ومعهم أربعون أسيرًا من العرب: منهم عبد الله بن غسان وأمثاله.

وكان السبب في ذلك أن عياض بن غنم لما ارتحل يطلب رأس العين مع هؤلاء السادة الذين مع عبد الله بن غسان بحسب العادة في سيرهم إلى حران وسروج والرها ليأتوا بالطعام والميرة للعسكر فساروا، فلما توسطوا البلاد لقيهم"السائس ابن نقولا"و"جرجيس بن شمعون"وقد أقبل بميرة عظيمة لعسكر الملك شهرياض ومعهم ثلاثة آلاف غائصون في الحديد، فلما رأوا قلة المسلمين طمعوا فيهم فأقبلوا وأطبقوا عليهم من كل جانب فأخذوهم قبضًا بالكف وأحضروهم بين يدي الملك شهرياض فهمَّ بقتلهم. فقال له وزيره: أيها الملك ليس هذا برأي لأن ولدك عمودا في يد العدو ورودس صاحب حران وتوتا صاحب الحجاب، فإن أنت قتلتهم قتلوا أصحابك وولدك والصواب أنك ترسلهم إلى قلعة ماردين -يعني قلعة المرأة- وتسلمهم إلى الملكة مارية ويكونون عندها، فإذا طلبتهم العرب تقول لهم إنهم بقلعة ماردين وليس هم في أسرنا ونحن لا نبالي بمن هم عندهم فيكون أعظم لحرمتك وهيبتك، فاستصوب رأيه وأرسلهم إلى مارية مع صاحب أبيها فالتقت بهم على تنيس كما ذكرنا، فأمرت الحاجب أن يوصلهم إلى قلعتها ففعل. ثم إنها سارت حتى أتت إلى عسكر المسلمين في حندس الليل فكان يطوف في العسكر سهل بن عدي ونجبة بن سعد في جماعة، فلما رأوها أتوا إليها وسألوها عن حالها. فقالت: أريد أميركم فأتوا بها إلى عياض بن غنم. فلما وقفت بين يديه قدمت له الهدايا وهمت أن تسجد له فنهاها، وقال: إن الله قد أعزنا بالإسلام وأنقذنا من الضلال بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فأزال عن قلوبنا الغل والحسد واتباع الهوى وشرفنا بالتحية ونزهنا أن يسجد بعضنا لبعض وما يرغب في ذلك إلا الجبابرة من ملوك الأرض وإن الله يقول: العظمة ردائي والكبرياء إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته ولا أبالي، ومارية تفهم ما يقوله!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت