فهرس الكتاب
حتى تشكري عند أمة المسيح. قال وأرسل معها ملك السناسنة نجدة وهم ألف رجل وكان المقدم عليهم ولده"سوسي بن سلنطور"فسار في صحبتها وكان الغلام قد كمل شأنه وحسن كماله وابتدر هلاله ولم يكن أحد في زمانه يوصف بجماله، فلما نظرت"طاريون"إلى حسنه وجماله نظرته بعين المحبة فوقع قلبها في شبكة عشقه فسيرت رجالها مع رجاله.
قال الواقدي: وأحسن ما رأيت في هذه الفتوح أنه كان لهذه الجارية ابن عم اسمه"يرغون"وكان يحبها ولا يستطيع أن يسمع بذكرها، وكان من أهل الشجاعة والشدة، وكان تحت يده من المعاقل حيزان والمعدن وأبزون وقف وأنظر وأيدليس وآرزن، وأنه سار ينجد شهرياض في ثلاثة آلاف، فلما عبر جيش ابنة عمه"طاريون"بيدليس اهتم لها وأكرمها وأهدى لها الهدايا والتحف وسار معها إلى أن عبروا حصن كيفا وأخذوا طريقهم على الموزر، ونزلوا على حصن يعرف بالهتاج على طريق النهر، وكان لابن عمها عيون يطلعونه على أخبارها.
فلما نزلت على النهر أرسلت إلى الغلام"سوسى"الذي تحبه وهي تقول له: اعلم أن المحبة الصادقة لا تكون إلا بعد العداوة المفرطة وقد ندمت على ما فات وما كان مني إليك وقد رأيت أنك بعد رجوعنا من قتال العدو ترسل إلى أبي وتطلبني منه، ولكن أريد منك أن تصل إليَّ ليلًا وفي خفية من ابن عمي"يرغون"حتى تحلف لي أنك ترسل إلى أبي وتطلبني منه، وأحلف لك أني لا أريد سواك وبعثت له بهدايا مع بعض خدمها، وأرسلت معه شيئًا من الحلوى، وأرسلت مثل ذلك لابن عمها ولكل أمير صحبها حتى لا ينكر عليها. وإن ذلك الخادم قد علم بما جرى وكان هذا الخادم قد ربى ابن عمها على كتفه وكان يحبه محبة شديدة فأعلمه بما وقع من حديثها مع الغلام"سوسى"وهي تريد أن تجتمع به الليلة حتى تحلف له أنها ما تريد غيره. فكتم يرغون أمره.
فلما جنَّ الليل طلب عظماء جيشه، وقال لهم: اعلموا أني ما وليت عليكم إلا وقد علم المسيح أن عقلي أوفر من عقلكم! قالوا: أيها الصاحب أعلمنا بما تريد حتى نقبل قولك ونطيع أمرك. قال: يا قوم اعلموا أننا سائرون على غزة وعن قليل ترون الخيل تنوشنا والرماح تحوشنا، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: لأن العرب لا تنام ولا ترام، وقد عاد النصر إليهم، واعلموا أن الملك شهرياض ليس بأعظم همة ولا أكثر جنودًا من هرقل ولا من ملوك الأرض، وقد ملكت العرب دولتهم وأخذوا معاقلهم وأذلوا ملوكهم، وأنا أعلم أن شهرياض لا ثبات له مع العرب يوم المصف، وقد ملكت بلاده وهي: حران والرها وسروج والبيرت