فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 611

فبينما هو يوصيهم إذ وصل الجيش وهم ألف فارس والمقدم عليهم صاحب الملك الكبير فصاحوا عليهم: افتحوا لجيش الملك فتبادرت أصحاب يرغون ففتحوا درقة الباب الواحدة وقالوا: لا نمكن أحد يدخل إلا واحدًا واحدًا مخافة من"يوقنَّا"وأصحابه فإنا نخاف أن يدخلوا في جملتكم، فبقي كلما دخل فارس رجَّلوه بعد أن يبعدوا به عن الباب ويأخذوا سلاحه وجواده ويكتفوه إلى أن أدخلوا الألف والحاجب بعدهم، فلما اجتمعوا نادوا بأعلى أصواتهم الله أكبر الله أكبر فتح الله ونصر وجاءنا بالظفر. فارتج كفر توتا ووقع الرعب في قلوب أهلها وعلموا أنهم ملكوا بلدهم فلم يجسر أحد منهم أن يظهر في المدينة ومن ظهر قتل، فلما أصبح طلب"يرغون"أكابر البلد ومشايخها وبطارقتها، فلما حضروا قبض عليهم، وأنفذ إلى عياض بن غنم يعلمه بما صنع، فلما وصلت إليه الرسالة سجد لله شكرًا، وكان عبد الرحمن بن أبي بكر وأصحابه لما وصلوا بالميرة أخبروا المسلمين والأمير بما وقع وأن"يرغون"مضى إلى كفر توتا فكان منتظرًا لما يأتي إليه من خبره، فلما جاء الخبر بالفتح حمد الله تعالى وتفاءل بالنصر.

قال الواقدي: قال عياض بن غنم للصحابة - رضي الله عنهم: اركبوا ودونكم والقوم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأمر خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أن يكون بأصحابه في الميمنة من القوم وأمر عمر بن سالم أن يكون على يسار القوم وقال لهم: لا تخرجوا حتى تشب نار الحرب وتشتعل بالطعن والضرب فاحملوا واعتمدوا على السيوف فإنها أقرب للحتوف وليكن شعاركم التهليل والتكبير. فسار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو الجهات التي ذكرنا وزحف الموحدون ونشرت الرايات ووقع الصائح في عسكر الروم أن المسلمين قد زحفوا وأشرفوا. فتبادروا إلى القتال ورفعوا رايات الطغيان وتلت عليهم الإنجيل القساوسة والرهبان، فلما نظر المسلمون إلى كثرة من اجتمع من قومهم استسلموا لحكم القضا وقالوا: نرضى بما قدر وقضى! ولم يزالوا في قتال الكفار إلى أن مضى النهار وأقبل الليل بالأستار، فلما مضى الليل بغياهبه، وأقبل الصباح بجانبه بادروا إلى الحرب والطعن والضرب ولم يمهل بعضهم بعضًا دون أن وقعت الحملة على المسلمين فانهزم الجناح الأيمن، وكان فيه أخلاط العرب. وانهزمت ميسرة العدو ووقع فيهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يزل القتال فيهم إلى أن غلبهم الليل فانفصلوا.

فلما كان اليوم الثالث تولى الحرب خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ورتَّب الناس ترتيبًا جيدًا وجعل في الميمنة باهلة وطبا، وجعل في الميسرة عديًا ونميرًا وفزارة، وفي الجناحين كندة وعاملة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت