فهرس الكتاب
يحلفونهم وهم آمنون مطمئنون إذ خرج عليهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكل سيف مسلول وعزم غير محلول وصاحوا بالتهليل والتكبير، ووضعوا فيهم السيوف، وعجلوا بهم الحتوف، وقتلوا البطارقة بالنية الصادقة فماتوا عن آخرهم، فلما رأت الروم ما نزل بهم ضجوا وبأصواتهم عجوا، فقال خالد: أولياء الله جوِّدوا الضرب في أعداء الله وأهريقوا دماء من أشرك بالله! فقتلت الطرامخة وذوو الحشمة الشامخة، فلما بلغ الخبر العوام انهزموا عن الأسوار لما حل بقومهم البوار ودهمتهم الأقدار فذهب دامس إلى الأبواب ففتحها فدخل المسلمون بالتهليل والتكبير ولم يزل القتل يعمل في رأس العين وقد وردوا موارد الحين وناح عليهم غراب البين وأيدت شريعة سيد الكونين.
قال الواقدي: ولم يؤخذ من ديار بكر بالسيف إلا رأس العين، وأخرج الخمس من المال وأرسله إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكتب له كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عياض بن غنم الأشعري إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه. أما بعد: فإن الله قد فتح علينا يسير ما كان عسيرًا وكان لعدة الفتيان شعاع يخطف العيان، فلما تضايفوا أمامي وازدحموا قدامي عاينت جيشًا كثيفًا وسدًا منيفًا قد أقبلوا من الأفواج وتتابعوا كالأمواج وتناصروا من كل صوب واشتهروا في كل ثوب، والحديد يتألق كالحريق، وقد تطايرت السيوف فللًا والأرماح كعوبًا وانقضت المدة وقد وضعت الحرب أوزارها وانطفأت نارها بعدما قتل المسلمون أهل الطغيان الفاسقين ونصر الله الكفاة وخذلت العتاة وولت الأعداء الأدبار وأراحنا الله من مضرتهم وظهرت البلاد من كفرهم وكان زعيمهم الخائن، وملكهم أول مخذول، وأهون مقتول، وبعد ذلك فتحنا رأس العين ونحن بعد ذلك معوِّلون على ديار بكر والله المعين وبه نستعين والسلام عليك وعلى جميع المسلمين واقرأ سلامنا على قبر سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -.
ثم طوى الكتاب وختمه وسلمه مع الخمس لعبد الله بن جعفر الطيار وضم إليه مائة فارس من المهاجرين والأنصار فسار عبد الله ومن معه، وأقام المسلمون على رأس عين شهرًا وعمل بيعة نسطوريا جامعًا وصلوا فيه وبنوا الكنائس مساجد وترك عرفجة بن مازن العامري عليها واليًا ومعه مائة فارس وأخذ مال الرها وكفر توتا فأخرج منه الخمس وأرسل بعد عبد الله بن جعفر سلامة بن الأحوص ومعه خمسون فارسًا.