فهرس الكتاب
مهاوي الذل ونسب إلى الجهل. واعلم أن من جملة ما ذكر لنا عن عيسى ابن مريم - عليه السلام - أنه قال:"عجبت لغافل ليس بمغفول عنه، ومؤمل إتمام الشيء والموت يطلبه"! وإنَّما ضربت لك هذه الأمثال لتتعظ بها وبما نزل بالملك شهرياض، كان بالأمس على السماط واليوم نزل على الصراط! بالأمس كان في سلطانه وملكه يباهي، واليوم صار في الحفر واهي! ما أفاده الغنى أذهبه الفنا، وذهب الفرح بالترح، ما نفعه الجيش وكثرته، ولا الخزائن وعدته؛ أصبح والله ذليلًا، وبعد الكثرة قليلًا! وأنت تريد أن تسلك مسلكه، وتتبع سبيل ما أهلكه، فما أحد ينفعك ولا عمل يتبعك، اتق الله في نفسك وفي أهل ملتك وبلدتك واعقد لك مع هؤلاء العرب صلحًا، واقبل ما قلت لك نصحًا، واحقن الدماء وارحم النساء والإماء وأسلم تسلم، وهؤلاء القوم ما قالوا قولًا إلا وفوا به، ما هم ممَّن يطلبون الملك فينازعون عليه ولا يميلون إليه، بل طلبهم الآخرة وما عند الله!
وبالأمس وفوا لرودس صاحب حران، ورجع عن دينه ودخل في دينهم وكذلك الملكة مارية بنت أرسوس، وقد دخل في دينهم جبابرة الروم مثل"يوقنَّا"و"يرغون"و"عمودا"و"ميتا"الذي هو أعلم منَّا بديننا وقد ملكوا الأرض في الطول والعرض، وإنما يحاصر عن نفسه من له ميرة وعدد وجيش وسلاح وعدد يقدر على محاصرة البلد، وهذا بلد عظيم وما فيه ما يقوم بأهله سنة أو أقل فإن لم تسلم أنت سلم أهله وسلموك إليهم برقبتك، وهذه حران لهم وكفر توتا والرها وسروج وسجستان وماردين والصور والخابور وما عدا الفرات إلى الشام إلى أرض مصر، وجيوشهم قد طبقت العراق وملأت الآفاق، وقد بلغني أن الملك كسرى قد عاد إلى المحاق! فابعث إلى أمير هؤلاء العرب واطلب منه الصلح فإنه يعطيك وتربح نفسك ومالك وأهلك وولدك! وعش في ظل القوم إن شئت على دينهم وإن شئت على دينك فإنهم لا يغصبونك. فلما سمع"مرسيوس"كلام أخيه الحكيم"أرسالوس"غضب عليه وضربه بمقرعة كانت في يده وقال: أنت ما خلقك المسيح إلا ذليلًا، وكيف تأمرني أن أسلم ملكي للعرب، وتعرضني للعطب؟! اخرج يا ويلك عني، فإن وقعت عيني عليك بعدها قتلتك. فخرج من عنده وهو غضبان!
وأما اللعين"مرسيوس"فإنه أمر أرباب دولته أن يجتمعوا في كنيسة بيعة"نسطوريا"حتى يحلِّفهم فمضى شاويشه فجمعهم وجمع مشايخ البلد وكبراءها وأحضر القسوس والرهبان والشمامسة وبترك دير مقرب حتى يستحلف أهل المدينة. فلما حصلوا في البيعة أغلقوا أبوابها حتى لا يدخل إليهم أحد من العوام. فلما حصلوا كلهم جلس الملك والبترك وشرعوا