فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 611

الجنة. فلما صلى قال لعاصم بن رواحة: لقد أردت الليلة أن أقرب عشرة من هؤلاء العرب الأسرى في بيت المذبح. فقال له عاصم: ليس هذا برأي أيها الملك حتى ترى ما يكون من أمر العرب وهذا بين يديك. قال فسكت وخرج، وإن عاصمًا لم يترك في البيعة أحدًا من الروم واستوثق من أبواب البيعة، ودخلت الصحابة إلى بيت المذبح، فوجدوا فيه سلاحًا كثيرًا مما كان يجتمع من النذور، فأخذوه وعولوا على أنهم في صبيحة غد إذا اشتغل أهل المدينة بالقتال يورثون فيها.

ولما دخل الليل قاموا يذكرون الله وينظرون إلى تلك الصور المصورة وصفة القيامة والصراط والجنة والنار. فقال عاصم بن رواحة لسعيد بن زيد: الهرب إلى دين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد في الإيمان. قال: نعم. فلما كان وقت السحر، وثبت الصحابة على أقدام الحزم والعزم، وخرجوا على أهل المدينة، فاستعانوا بالله وقالوا: اللهم انصرنا كنصر نبيك يوم الأحزاب، وقال خالد: إياكم أن تفترقوا فتذهب ريحكم واتقوا الله الذي إليه مصيركم، واعلموا أن الأعداء يجتمعون عليكم والنساء يرجمنكم، والشباب يقاتلونكم وإياكم أن تطمعوا أحدًا في دار الحرب، بل اصبروا على مر الكرب والضرب، والصبر عاقبته النصر، واعلموا أن هذه البيعة هي بيعتهم المعظمة، ولابد لهم من القدوم إلى الصلاة، فإذا حصل واليهم هاهنا ومقدم عساكرهم أطبقنا عليهم من كل جانب، وقصدناهم بالقواضب، فإنه إذا قتلت الملوك وعظماء البطارقة فما يجسر بعدهم أحد أن يرفع يده، وأما العوام فلا اعتبار بهم. فقال عاصم بن رواحة: لله درك أيها الأمير ما أخبرك بالأمور والحرب! ولقد تكلمت بالصواب وأحسنت في الخطاب، فليقر كل واحد منكم في مكانه وأخفوا سلاحكم في أعبابكم، فإذا اشتغل القوم في صلاتهم ثرنا عليهم ومددنا أيدينا إليهم، فاستصوبوا رأيه .. وكانت الصحابة في بيت كبير في البيعة كان برسم النذور وفيه شيء من الأمتعة لا يثمن لكثرته.

قال الواقدي: كان من قضاء الله السابق في خلقه، أنه كان للوالي أخ عاقل لبيب له رأي وتدبير، وكان يعرف من الحكمة التي وصاه بها فهرايس أحد حكماء اليونانيين، وقد عرف من علم الملاحم، وكان صاحب سر"شهرياض"، فما كان يفعل شيئًا إلا بمشورته وكان قد نهاه عن قتال العرب وقال له: ما أرى لك في قتالهم خيرًا والأمر عليك لا لك! فلما كان من الملك ما كان، وقتل جيشه، ورجع الأمر إلى مرسيوس، قال له أخوه الحكيم، وكان اسمه"أسالوس"-معناه حكيم زمانه-: اعلم يا أخي أنه ليس ينبغي للعاقل اللبيب الفاضل الأديب أن يرمي نفسه في غير مراميها ولا ينقاد بزمام شهوة النفس، فإنه من أطاع نفسه هوى في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت