فهرس الكتاب
وإنَّما تقدم عياض بالمسلمين للقتال، حتى يشغل أعداء الله عن خالد ومن معه بالمدينة، فصاروا يرمون بمجانيقهم وسهامهم، وكان قد وصل مع عياض غلام من أهل المدينة اسمه جميل بن سعد الداري، وكان أرمى خلق الله بالنبل، وكان قد شاع ذكره بين العرب، وأنه كان ينظر إلى الطائر في الجو فيقول: إنني قد عوَّلت أن أضرب هذا الطائر في موضع كذا، فيضربه فيقع الطائر والضربة في المكان الذي ذكره، فلما كان يوم قتال عين وردة تقدم وجعل يضرب البطارقة في أعلى السور، فلا يقع سهمه إلا في فؤاد أو في حدقة، حتى قتل ثلاثين بطريقًا، منهم من وقع إلى المدينة ومنهم من وقع إلى الخندق.
وكان عدو الله مترقي المتقدم ذكره أرمى خلق الله، فجعل يعبي ويرمي. فقال الناس لجميل بن سعد: أيها الغلام ابعد لئلا يصل إليك حجر المنجنيق فإنَّا نخاف عليك منه! فقال: يا قوم"أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ"، ولابد أن أثبت لهم، ثم إنه رمى رجلًا من الذين يجرُّون الحبال فقتله، وثانيًا وثالثًا فقتلهما، فهربت البطارقة عن الحبال، وقالوا: لا طاقة لنا بالوقوف في هذا المكان من هذا الغلام. فقال مرسيوس: البسوا الدروع واستتروا، ففعلوا وقعدوا في الحبال، ورمى"مترقي"بحجر فوقع في رجل من بجيلة فقتله، ولم يزل حتى قتل ستة رجال!
وكان جميل بن سعد يرمي فلا تخطئ نباله وهو يقول: واشوقاه إلى الشهادة وأن أصل إلى دار العلم والشهادة، فبينما هو كذلك إذ عبى عليه عدو الله ورماه، وكذلك جميل قصده بنبلة فوقعت في صدره ومرت من ظهره ونظر جميل إلى الحجر وقد قصده، فعلم أنه ميت. وعلم عياض بقصته فبكى، وأمر به فدفن بعدما صلى عليه، وبلغ خبره إلى أمه فصبرت صبر الكرام وقالت:"يا بني عشت سعيدًا ومت شهيدًا وسلكت سبيل آبائك فرحمك الله وآنس غربتك ونفعني بك يوم القيامة!"ثم قرأت"الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ".
.حدثنا معمر بن الجون النهائي، وكان ممن حضر مع جده سراقة فتح رأس العين قال: لما قتل ابن سعد فرحت الروم، وإن عدو الله"مرسيوس"صاحب الأمر بعد"شهرياض"لما رأى أن المسلمين معولون على حصاره مضى في الليل إلى بيعة"نسطوريا"وصلى بها وقرب القربان، وكان من بغضه للمسلمين قد صور على باب البيعة صورة رجل من العرب وكتب عليه هذا نبي العرب، فكل من دخل البيعة يبصق عليه، وكان في داخل البيعة صورة القيامة والميزان والصراط والجنة والنار وصور عيسى وبيده الصليب وأمه تحت لوائه على باب