فهرس الكتاب
جواسيس الروم ولا يصبح الصباح إلا وأنتم على أهبة الحرب! فما أصبح الصباح إلا والمسلمون قد أخذوا أهبة الحرب، فلما طلعت الشمس وانبسطت على الأرض علت على الخيل ركابها وحملت بأصحابها، وشنت من الحرب نارها وطار شرارها.
والتقى عبد الله بن عياض وعبد الله بن قرط بالملك شهرياض وقد عوَّل على الهرب وكل من في جيشه قد اشتغل بنفسه عن نصرته وليس عنده سوى عشرة من غلمانه فأطبق عليه عبد الله بن قرط وعبد الله بن عياض. ولم أدر أيهما كان أسبق بالطعنة فطعنه في صدره فأخرج السنان من ظهره! فلما نظر غلمانه إلى ملكهم مجندلًا ولَّوا على أدبارهم، ونزل عبد الله فاحتزَّ رأسه وجعله على رمحه وركب وصاح: ألا وإن الملك قد قتلته فمن كان منكم يثبت للحرب فليثبت! وصال المسلمون على أعداء الله ووضعوا فيهم السيوف؛ فقتل من قتل، وانهزم الباقون بعدما أسروا منهم من أسروه، وقد تركوا الأثقال على حالها والأموال والسرادقات فاحتوى عليها المسلمون.
قال جديد بن ناشب الضميري: كنت مولعًا إذا سكنت الحرب بعدِّ من قتل من الروم فأخذت مخلاة على عاتقي، وملأت حجري حصى، فكنت لا أمر بمقتول إلا وطرحت عليه حصاة، ثم عددت الحصى، فإذا هي ثمانون ألفًا وسبعمائة وخمسون، وأما الأسرى فلا يحصيهم عدد، فلما وضعت الحرب أوزارها أمر عياض بالأثقال والأسرى إلى كفر توتا، وبعثها مع الصلت بن مازن ومعه ألف فارس، وأمره أن لا يبرح منها، حتى تفتح رأس العين.
ثم ارتحل عياض في أثر الوقعة إلى رأس عين ورأس وردة، وكان قد وصل المنهزمون إليها وهم بأسوأ حال، ووقع الصائح بجوانب المدينة بهزيمة الجيش، وقتل الملك شهرياض فعظم عليهم، وكبر لديهم، واستوثق الوالي"مرسيوس"من المدينة والأسوار وعوَّل على أنه في غداة غد يضرب رقاب المأسورين، وكان من عادة الروم إذا قتل منهم ملك يقتلون عليه مائة أسير من أعدائهم، فلما كان الغد ركب عدو الله"مرسيوس"إلى وسط المدينة وأمر أن يؤتى بالأسرى وهم خالد ومن معه ليضرب رقابهم فأرادوا أن يأتوا بهم وإذا بعياض قد صبحهم صباحًا فأشغلهم عن ذلك، ونزل على باب"أسطاحون"وهو الباب الشرقي، وكان قد ضرب على الباب المذكور قبة من الديباج برسم عدو الله"مرسيوس"، وإلى جانب القبة منجنيق عظيم يتعلق في حباله مائة رجل، وكان صاحبه ابن عم الملك، وكان اسمه"مترقي بن أشفكياص"، وكان أبوه هو الملك قبل شهرياض، وهو صاحب الدنانير الأشفكياصية.