فهرس الكتاب
"يوقنَّا"أسيرًا ومعه أربعون من أصحابه، فصاح الصائح بذلك، فما بقي أحد إلا وخرج أمام الوالي والتقوا بالصحابة، وهم بزي أصحاب إياد الشمطاء، وقد داروا بعاصم بن رواحة وكان الوالي يحبه ويعرفه فترجل إليه وترجل عاصم وتعانقا، وأقبلت المواكب يسلم بعضها على بعض.
فقال الوالي: كيف أخذت هؤلاء وهذا المارق -يعني يوقنَّا-؟ فقال له: إنا لما وصلنا إلى الفرات وعدينا خرج علينا برجاله فقاتلناه وقاتلنا فنصرنا المسيح عليهم بعد ما قتلنا منهم خمسين رجلًا وأخذنا هؤلاء وانهزم الباقي. ففرح الوالي وأقبل على"يوقنَّا"يوبخه بكلام وهو لا يرد عليه والروم تشتمه وتسبه وهو لا ينظر إليهم ولا يكلمهم إلى أن دخلوا رأس العين وأمرهم أن يجعلوهم عند الأسارى في بيعة نسطوريا، وقال لهم: احتفظوا بهم حتى نكاتب الملك ويرى فيهم رأيه. فجعلوهم عند خالد وأصحابه. ثم إن عاصمًا قال للوالي: أنت تعلم ما بيننا وبين هؤلاء القوم من العداوة وإن كانوا عربًا مثلنا، ونخاف أنك تجعل على حفظهم أحدًا من الروم أو من الأرمن، وأن يتحدثوا معهم بإطلاقهم وتدخل المضرة على الملك وعليكم، والصواب أن نجعل بعضنا في البيعة وبعضنا خارجًا فإنه من أتى إلى الجهاد لا يركن إلى الراحة، ومن تعب في الدنيا قليلًا استراح في الآخرة طويلًا. فاستصوب الوالي رأيه وأنزله في البيعة هو وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأضاف"يوقنَّا"إلى خالد. فحصل ستمائة فارس من المسلمين.
قال الراوي: فلما استقروا في البيعة وجنَّ الليل قام سعيد بن زيد إلى خالد وسلم عليه وبشره بالفرج. فقال: يا ابن زيد لقد علمت بذلك منذ قيل إن"يوقنَّا"قد أُتيَ به ومعه أربعون فنظرت بنور الإيمان فعلمت صحة ذلك. وإن الوالي بعث إلى الملك يبشره بأخذ"يوقنَّا"ومعه أربعون من أصحابه وقدوم عاصم بن رواحة ومعه خمسمائة من أصحابه، فلما بلغه الخبر أمر بالبوقات فضربت فسمع المسلمون بذلك، فقالوا: ما ضربت البوقات إلا لأمر مهم! إذ أقبل عباد بن بشير وهو متنكر وأتى إلى عياض بن غنم، فلما رآه قام إليه وسلم عليه وقال: يا ابن بشير بم تبشرني أقر الله عينيك؟ فلم يرد عليه شيئًا حتى خلا به وحدثه بجميع ما جرى. فلما سمع عياض بشارة عباد بن بشير سجد شكرًا لله. فقال عباد: أيها الأمير إن سعيد بن زيد ومن معه يسلمون عليك وعلى من معك ويقول لك أنجز المصف فلعل أن يفتح على يديك فما بينك وبين فتح رأس العين إلا أن تهزم القوم وقد فتحت. فقال عياض: توكلنا على الله ... فلما جن الليل جمع أصحاب الرايات وحدثهم، وقال لهم: لا تعلموا أحد مخافة من