فهرس الكتاب
وأتينا بهم إليكم وإياك أن تمكنه أن يقتل واحدًا منا، وإذا أراد ذلك تقول له إن المصف بين يدي الملك وبين العرب ولا ندري من يؤخذ من أصحابنا فيكون عندنا الفداء، وتترك أصحابك في حران.
قال عاصم: ولم لا نسير بأجمعنا وبأصحابي كلهم؟ فقال"يوقنَّا": إن الإسلام لم يتمكن بعد من قلوب القوم ونخاف أن أحدًا منهم يغمز علينا فيفسد حالنا، والثقة بكل أحد عجز. فقال: والله لقد صدقت في قولك فنزل ببني عمه الخمسمائة في حران، وإنما قال"يوقنَّا"ذلك ودبره ليكونوا على سبيل الرهائن. فكتَّفوا"يوقنَّا"والأربعين من بنى عمه وتزيا الصحابة بزي إياد الشمطاء، وخرجوا من حران في الليل وطلبوا رأس العين، فلما وصلوا إلى مكان يعرف بعلوا إذا بقرع حوافر الخيل فأخذوا أمرهم حتى وصلوا إليهم، وإذا هم بأربعمائة وخمسين عبد أسود وهم يقرؤون القرآن وبعضهم يسبح فاستقبلهم سعيد بن زيد ومن معه وكبروا مثل تكبيرهم وقربوا منهم فإذا هم موالي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمقدم عليهم دامس أبو الهول رحمه الله تعالى. وكان السبب في قدومهم أنه لما بعث عياض بن غنم كتابًا إلى أبي عبيدة يستنجده على القوم ويعلمه بمن قد اجتمع من الكفار بمرج رغبان أرسل دامسًا ومن معه لنصرة الإسلام، وكانوا بسميساط وبلادها، ومنذ فتحوها استمروا بها حتى جاءهم كتاب أبي عبيدة: فترك دامس على سميساط وبلادها من يثق به، وجاء في العدة التي ذكرناها، فلما لقيهم سعيد بن زيد سلم بعضهم على بعض وفرحوا باجتماع الشمل، ونظر دامس إلى الجمال وعليها"يوقنَّا"وأصحابه. فقال: أظفرتم بهؤلاء في طريقكم؟ فقال سعيد: هذا"يوقنَّا"عبد الله وأصحابه قد باعوا نفوسهم لله. فلما سمع أبو الهول كلام سعيد سجد لله على قربوس فرسه وأتى إلى عبد الله"يوقنَّا"وسلم عليه. فقال له: مرحبًا بقوم طلقوا الدنيا بتاتًا وزهدًا، وطلبوا مرضاة الله. ثم إنه قال لسعيد بن زيد: يا صاحب رسول الله أشركونا معكم في هذه الحيلة. قال: نعم، ولكن اسحبوا هذه الجمال وأخفوا الدروع والعدد واحتزموا فوقها وسوقوا الجمال أمامكم كأنكم عبيدنا فإنه لا ينكر عليكم من رآكم.
ففعلوا كما أمرهم سعيد وأخفوا سلاحهم في وسط الجمال وأقبلوا على سوقها، فلما وصلوا إلى الزليخة نزلوا هناك ولبسوا وتدرعوا ونشرت الأعلام والصلبان التي كانت مع إياد الشمطاء، وداروا ب"يوقنَّا"وأصحابه وجعلوهم بينهم وساروا حتى قربوا من رأس العين فبعث سعيد رجلًا من حلفائهم إلى والي رأس العين يبشره بقدوم عاصم بن رواحة وإياد الشمطاء. فلما وصل إليه الرسول خرج بالمواكب إلى لقائهم، وقد أعلمه الرسول بقدوم