فهرس الكتاب
حصننا إليكم أبدًا، فإن شئتم المقام وإن شئتم الرحيل والسلام. وربطوه بالحبل وأعطوه للمعاهد فأخذه وأتى به إلى عياض، فلما قرأه وفهم ما فيه قال: توكلنا على الله وفوضنا أمرنا إليه ثم قرأ"وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا". وعوَّل عياض أن يقيم على آمد وخيله تغير على الهتاج وميافارقين وسائر تلك البلاد. فأقام عليها أربعة أشهر فخرج من جيشه الحكم بن هشام واستأذن عياضًا أن يشن الغارات على ميافارقين فأذن له، فأخذ معه من الصحابة مائة من المهاجرين والأنصار فخرجوا بعدما صلوا الظهر وعبروا الدجلة وساروا والأرض تطوى لهم! فما مضى قليل من الليل إلا وهم على ميافارقين فداروا بها إلى أن وصلوا إلى برج يعرف ببرج الشاة، فقال الحكم بن هشام وددت من الله لو فتح لنا هذه المدينة بلا قتال!
فما استتم كلامه حتى انفتح لهم باب من حائط البرج فدخلوا وهم يخترقون الطرق إلى وسط المدينة إلى كنيستهم العظمى وتعرف ببيعة ماريا وكانت تلك الليلة عيدًا عند النصارى، فلما أقبلوا إلى الصلاة وجدوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم نزول على باب البيعة فصاحوا وتسامع الناس فأتى صاحب البلد وكان اسمه"أسلاغورس"، فلما رآهم قال: من أنتم؟ قال له الحكم: نحن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: ومن أين جئتم؟ قالوا: من عسكرنا. قال: ومتى جئتم؟ قالوا: بعدما صلينا الظهر. قال: ومن فتح لكم مدينتنا؟ قال له الحكم: فتح لنا من بيده مقاليد الأمور. قال: أَوَمَا تفزعون منَّا؟ فقال الحكم: وكيف نفزع من مخلوق لا يضر ولا ينفع وهو تحت أحكام القهر. وقد قال ربنا في كتابه:"فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ".
فقال"أسلاغورس": إن دينكم دين محدث وديننا دين قديم والقديم أفضل من المحدث. فقال له الحكم: إذا كان ما قلته حقًا ففضل إبليس على آدم لأنه أقدم منه، وقد قال الله تعالى:"أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ"! وإنَّ"أسلاغورس"أمرهم أن يدخلوا البيعة. فقال الحكم بن هشام: وما الذي نصنع في بيعتكم؟ قال: تذكرون فيها ربكم. قال: ما كنَّا ندعى إلى ذكر ربنا فنتأخر عنه! فربطوا خيلهم ودخلوا وما أراد"أسلاغورس"بذلك إلا أنه قد زخرفها وصور فيها بيت المقدس والصخرة وقبة السلسلة ومحراب ثواب ومهد عيسى وصورته وأمه مريم، فلما توسطها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ الحكم بن هشام"وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ"، ورفع بها صوته. فقال: لا والله. وإنما أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله! فوالله لقد ماجت بيعة القوم وتزلزلت وصفقت القناديل بعضها ببعض! وكان