فهرس الكتاب
الصبر النصر، ولعل أن يأتي في العرضيات ما لم يكن في الحساب واكتب إلى هذه المرأة كتابًا وخوِّفها، ثم مَنِّها بكل جميل فلعل الله تعالى أن يلين قلبها للإيمان أو تسلم لنا صلحًا!
فدعا عياض بدواة وبياض وكتب إليها يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلواته على سيدنا محمد وآله، من عياض بن غنم أمير جيوش المسلمين بأرض ربيعة وديار بكر إلى مريم الدارية. أما بعد: فإن الله - سبحانه وتعالى - قد نصرنا وعلى جميع الكفار قد ظفرنا، وعلى قبض ملوكها أيدنا وما نزلنا على بلد إلا ملكناه ولا قابلنا جيشًا إلا هزمناه والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين وليس حصنك بأمنع من تدمر ولا هو الحصن المنيع الذي بناه سليمان بن داود، وما هو إلا أن نزل عليه المسلمون حتى ملكوه، وكذلك بعلبك وحلب وأنطاكية -دار الملك هرقل-! ولم يبق بين أيدينا صعب إلا سهَّله الله علينا، وبذلك وعدنا الله في كتاب العزيز فقال:"الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ"، فإذا وصل إليك كتابي هذا فسلمي تسلمي وإياك أن تخالفي تندمي ومهما أردت بلغناك ولسنا نكرهك على فراق دينك ولا أحدًا من أهل بلدتك قال تعالى:"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، وإن تمسكت بالهوى فستعلمون من أضعف ناصرًا وأقل عددًا، وسلام على عباده الذين اصطفى! ثم طوى الكتاب وختمه وسلمه إلى رجل من المعاهدين وقال له: ادن من الحصن وناولهم الكتاب وقف حتى يردوا عليك الجواب. فذهب ودنا من السور وناداهم بلغتهم وأشار إليهم بالكتاب فأدلوا له حبلًا فربطه لهم ووقف ينتظر الجواب.
فأوصلوا الكتاب إلى الملكة مريم فقرئ عليها، فلما فهمت ما فيه قالت لأرباب دولتها: ما تقولون فيما كتب إليَّ أمير العرب؟ قالوا: أيتها الملكة الرأي لك فمهما أمرتينا به امتثلناه. فقالت: يا قوم أنتم تعلمون أن النار ولا العار ومتى سلمنا لهؤلاء العرب عيرتنا الروم ويقولون كيف سلمتم مدينتكم وما حوصرتم سنة ولا عشرة أيام ومدينتكم أحصن بلاد الروم، وإذا شئتم كان لكم موضعًا تزرعون فيه والمياه عندكم وكل ما تحتاجون إليه؟! وقد وصلت إليَّ الكتب من جميع ديار بكر ووعدوني أن يرسلوا عساكرهم لنصرتنا، فقالوا: أيتها الملكة هذا هو الرأي الرشيد، فاكتبي للقوم كتابًا أن يقطعوا طمعهم منا!
فكتبت تقول: أما بعد: فقال وصلني كتابك وفهمت خطابك، فأما ما ذكرت من نصر الله لكم، أما علمت أن المسيح يمهلكم ولا يهملكم، وإنما ذلك استدراج لكم ثم يأخذكم بعد ذلك! وكأنكم بالملوك وأبناء الملوك وقد أقبلت عليكم بسواعد شداد وسيوف حداد وجيوش وأمداد فيأخذون منكم بالثأر ويكشفون عن عباد المسيح العار، وما كنا بالذي نسلم