فهرس الكتاب
قف مكانك فإنَّا قوم لا نؤتى بحيلة ولا مكر لأنَّا قهرنا الملوك وأخذنا بلادهم بهذه الأشياء! ثم إنه انتضى سيفه وزعق ب"يانس"فأدهشه وخيِّل له أن كل من في القلعة منهم، وتقدم إليه وضربه على حبل عاتقه فأطلع السيف من علائقه! فهجمت الصحابة على أهل القلعة ووضعوا السيف فيهم وتكاثر عليهم العدو وتزايد المدد.
وكان في داخل المدينة خلق من الرستاق من قرى الهتاج من فسطاس وقرساط وكان يانس قد جمعهم لقتال المسلمين؛ فلما قتل خالد يانسًا ونظروا إلى صبر الصحابة على قتال أهل القلعة قالوا لبعضهم: أنتم تعلمون أن العرب ما يسكتون عن أصحابهم، وقد فتحوا آمد والبلاد فلا يمتنع منهم الهتاج وغيرها فخذوا لكم عند المسلمين يدًا وقاتلوا معهم أهل القلعة. ففعلوا ذلك وجرَّدوا سيوفهم وضربوا منهم من كان في القلعة وسمع عياض الصياح فقال: أما والله إن خالدًا ومن معه غُدِر بهم فبادروا إليهم أيها المجاهدون! فبادر أبو الهول وأصحابه ورجاله الأربعمائة فتفرقوا في الجبل وقصدوا القلعة فمن انهزم من الكفار وضعوا فيهم السيوف فما نجا منهم أحد، وما وصل أبو الهول إلى القلعة إلا وقد ملكها خالد واحتوى عليها.
وصعد عياض والمسلمون وأخذوا كل ما كان فيها وولَّى عليها مولاه سالمًا، وجعل عنده مائة رجل، وكتب إلى أهل فسطاس وفرساط ومن في القلعة أن لا يزنوا بامرأة أبدًا، وأشهد عليهم خالدًا والمقداد وعمارًا ومعاذًا وشرحبيل وعبد الرحمن بن أبي بكر وضرارًا؛ وأطلق عياض الأسارى الذين أتى بهم قيس بن هبيرة وارتحل يطلب ميافارقين. فلقيه في طريقه أهل تلك الجبال وأهل الجزيرة وقلب ومتنان وحزب الكلاب فأعطاهم الأمان وضرب عليهم الجزية وردهم إلى بلادهم. وأتى إليهم أهل ميافارقين للقائهم، وشكروهم على حسن سيرتهم وعدلهم، وأخرجوا لهم الضيافات والعلوفات، ونزل من جهة الميدان في سفح الجبل وأقام بها عشرة أيام ثم جمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستشارهم وقال: إني عولت على المسير إلى ديار أرمينية وإلى أرزن الروم فأشيروا عليَّ يرحمكم الله أي طريق نسلك! فقالت رجل من المعاهدين ممن هو أعرف الناس بتلك البلاد: أيها الأمير أتأذن لي أن أتكلم؟ فقال: من كان له رأي فليتكلم. فقال: اعلم أنك إذا قصدت بلاد أرمينية يطول مكثك فيها، واعلم أن بالقرب منك حصنًا منيعًا يقال له حصن"لغوب"وغلب عليه اسم صاحبه وهو"يطالقون بن كنعان بن عيديوس"له جيش عرمرم يزيد على ثلاثة آلاف فارس.