فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 611

والشمامسة، وعلى كل حال ديننا عتيق ودينهم محدث فاثبتوا عند اللقاء وكونوا عند ظن الملك كسرى بكم. فبينما هو يقول ذلك إذ جاءه عمه إلياس وهو صاحب الحرس، فقال له: أيها الملك إن أعداءنا قد أنفذوا إلينا رسولًا. فقال: ائتني به، فأحضره وكان الرسول سعد بن أبي عبيد القاري.

فلما وقف بين يدي النعمان صاح به الحجاب والغلمان قبِّل الأرض للملك فلم يلتفت إليهم. وقال: إن الله أمرنا ألا يسجد بعضنا لبعض لا ولعمري إن هذه كانت العادة المعروفة في الجاهلية قبل أن يبعث الله نبيه محمدًا - عليه السلام -. فلما بعث جعل تحيته السلام، وكذا كانت الأنبياء من قبله. وأما السلام فهو من أسماء الله تعالى. وأما تحيتكم هذه فهي تحية جبابرة الملوك. فقال النعمان: لسنا من الجبابرة، بل نحن أجل منكم لأنكم توحدون في دينكم وتقولون إن الله واحد وتجحدون ولده عيسى ابن مريم. فقال سعد: أخبرني عن ابن مريم أكانت القدرة فيه حالَّة أم ربانية؟ وجرى بينهم كلام كثير. فأعجب النعمان كلام سعد وقال له: يا ويح قومك ما الذي جئت به؟ فقال: الأمير سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - وجهني إليك إذ أنت من العرب ويصل إلينا ما نقص عليك وهؤلاء القوم علوج ليس لهم شريعة يؤدونها ولا فريضة يتبعونها ونحن ندعوكم إلى شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله فيكون لكم ما لنا وعليكم ما علينا، فإن أبيتم فأدوا الجزية، فان أبيتم إلى ما دعوناكم إليه فائذنوا بحرب من الله ورسوله.

فلما سمع النعمان كلام سعد ضحك استهزاءً بقوله وقال: لقد حدثتكم أنفسكم بالأباطيل أظننتم أن الفرس مثل الروم! لا وحق المسيح، بل هؤلاء أثبت جنانًا، وأشد طعانًا، وأوسع ميدانًا، فليت شعري من نفخ في معاطسكم وحسن الأمل في أنفسكم حتى جئتم من قحط البلاد ترومون ملك الأساورة وأخذ بلاد الأكاسرة ودونه حرب تصطفق أجرامه وتشب ضرامه، وهذا الملك أزدشير قد أنفذ جيوشه وعساكره وكأنكم بهم وقد أقبلوا فينالون منكم ما يؤملون وما حدثتكم به أنفسكم تزيلونه من قلوبكم. فقال سعد بن عبيد: يا نعمان! لقد تشدقت بالباطل، وتفوهت بكلام غير عاقل، أما علمت أن العاقبة للمتقين، والله بكرمه يرفع عنا البأس، ويظفرنا بجميع الناس، وقال نبيه - صلى الله عليه وسلم:"ستفتح على أمتي كنوز كسرى وقيصر". فأما كنوز قيصر فقد فتحها الله علينا وقد بقيت كنوز صاحبك. فقال النعمان: من أين كان لصاحبك العلم ومن أين ورثه، وقد بلغنا أنه كان لا يكتب ولا يقرأ؟! فقال سعد: بصرَّه الله بالعلم في القدم وعلم ما كتب في اللوح المحفوظ بالقلم. فلما سمع النعمان كلام سعد، قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت