فهرس الكتاب
فقال سعد - رضي الله عنه: إنَّا قوم لا نضيع ذمامنا ولا ننقض عهدنا، وقد أتوا إلينا مستسلمين وفي صحبتنا راغبين فيجب علينا أن نذب عنهم ولا نمكن أحدًا منهم فعاد الرسول إلى رستم وأعاد عليه الجواب، فغضب وأمر الجيوش بالزحف. وكان الذي هرب إلى جيش سعد شاور بن سليم ونسليك بن أكتم وضرار بن مكتال ومن تبعهم، فلما رأوا العساكر قد أقبلت تريد المسلمين قال القعقاع: أيها الأمير قد تقدمت الأعداء والفيلة أمامهم ولا مقام لخيل العرب عند رؤيتها وصياحها. فقال سعد - رضي الله عنه: أخلصوا النيات وارضوا خالق الأرض والسموات، وارشقوا الفيلة بالنبل واقطعوا مشافرها بالسيوف. وكان أمام الفيلة فيل عظيم كأنه جبل وكان إذا سار سارت وإذا وقف وقفت، وأينما توجه كانت وراءه. فلما حملت الكتائب واضطربت المواكب، وجاءت الفيلة كأنها جبال وعلى ظهورها الأبطال، وقد أقبلت بالسيوف في خراطيمها فقتلت من عسكر المسلمين، ولم تثبت لها خيل المسلمين، فرفع سعد بن أبي وقاص كفيه مبتهلًا بالدعاء لرب الأرض والسماء وقال:"رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ".
قال زهرة بن جويرية: فوالله لقد رأيت سعدًا يدعو وعيني مع الفيلة وإذا بالفيل الأعور قد ولى يريد المدائن والفيلة بأجمعها، والرجال لا يقدرون على ردها وهي سائرة على وجوهها، وكفى الله المؤمنين القتال من الفيلة، فلما ولَّت الفيلة غضب رستم وأقبل بعموده الذي من الذهب يضرب به وجوه الفيلة ويطمطم بفارسيته ويحرض قومه على القتال وهم يحملون خوفًا منه وهو يطلب من هرب من جيشه والخيل أمامه منهزمة والمسلمون لا يتبعون المنهزمين وأوقفوهم مواقفهم، وقد طابت قلوبهم بمعاملة الله، فطعنوا في صدور الأعداء وقد اطلع الحق على قلوبهم، فما وجد فيها غيره، فبينما الأمير سعد يحرض على القتال إذ لقيه الأسود العبسي وهو طائش العقل ذاهل اللب. فقال له: ما وراءك يا ابن قيس؟ فقال: أيها الأمير إياك أن تعبر هذا الصف، فإن فيه الموت الأحمر والضيغم القسور، وهو جبار من الفرس، وقد قتل من المسلمين أربعة، ولقد قاتلته حتى كاد أن يأتي عليَّ ولولا أن منَّ الله عليَّ بخالد بن جعفر بن قرط لكان قتلني، لأن فيه شجاعة وبراعة.
فقال سعد: يا مسكين وأين المفر من المقدور وقد قدَّر الله الأقدار، أما سمعت قول الملك الجبار:"أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ"، ودخل الصف الذي ذكره الأسود، وإذ قد لقيه خالد بن جعفر، ولونه قد تغير. فقال له: ما وراءك يا ابن جعفر؟ فقال: الثعبان الأغبر، والأسد الغضنفر، أيها الأمير ارجع عن هذا الفارس، فإنه علج عنيد، وفي