فهرس الكتاب
فيا عين جودي بالدموع السواجم ... فقد شرعت فينا سيوف الأعاجم
فكم من حسام في الحروب وذابل ... وطرف كميت اللون صافى الدعائم
حزنًا على سعد وعمرو ومالك ... وسعد مبيد الجيش مثل الغمائم
هم فتية غر الوجوه أعزة ... ليوث لدى الهيجاء شعث الجماجم
وإن المسلمين جمعوا الأموال واحتوى سعد - رضي الله عنه - على قصر الخورنق والسدير، وترك جميع ما أخذه بالحيرة، وترك عنده سالم بن نعيم بن مسروق معه مائة من أبناء المهاجرين والأنصار. وأما من انهزم من جموع النعمان بن المنذر فوردوا على القادسية وعليها جنود الفرس مع رستم زاده بن إسفنديار ومعه ....
فلما رأوا المنهزمين من جيش النعمان، سألوهم عن أمرهم، فأخبروهم بقتل النعمان وأخذ الحيرة وقصر الخورنق والسدير وجميع ما فيها. فوقع التشويش في عسكر الفرس وتمكن الخوف من قلوبهم وكثرت الأراجيف، وأما رستم فإنه جمع الملوك والأساورة وملوك الديلم في خيمته وقام على سريره خطيبًا، فقال: اعلموا أن الدولة بالسياسة والناموس بالرياسة، وكأنكم بالعرب وقد أشرفوا عليكم فاخرجوا واذهبوا إليهم واركبوا. فخرجوا من عنده وأخذوا أهبة الحرب، فبينما هم كذلك إذا بعسكر سعد - رضي الله عنه - قد أشرف عليهم وهم على الخيل المضمرة العربية وعليها الفرسان الإسلامية والطائفة المحمدية، فرتبوا الصفوف وجعل رستم ملوك الفرس عن يمينه، وملوك الديلم عن يساره، ووقف رستم في القلب ودارت به الأساورة.
فبينما هم كذلك إذ بعث الأمير سعد - رضي الله عنه - رسولًا إلى رستم وكان الرسول أبا موسى الأشعري، فقصد القلب، فلما رآه الحجاب أتوا إليه والترجمان معهم فقالوا له: يا عربي ما الذي تريد؟ قال: أنا رسول من عند صاحب الجيش، فبلغوا رستم ما قاله أبو موسى الأشعري ... فقال: قولوا له ما لك وصول إلى المقدم ولكن أفصح لنا عما تريد حتى نأتيك بجوابه. فبلغه الترجمان ما قاله. فقال أبو موسى - رضي الله عنه: قل له ندعوكم إلى الشهادة فإن أبيتم الإسلام فأدوا الجزية فإن أبيتم فالسيف أصدق شاهد، وقد قال الله في كتابه العزيز:"وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ"! فبلغهم الترجمان ذلك، ورجع أبو موسى إلى سعد - رضي الله عنه -، فلما جنَّ الليل هرب من عسكر رستم جماعة والتجؤوا إلى عسكر المسلمين، فلما أصبح رستم بلغه أن جماعة من عسكره هربوا إلى عسكر المسلمين، فبعث رسولًا إلى سعد يطلب منه أن يرد عليه الذي هرب من الأساورة والمرازبة.