فهرس الكتاب
الرعية الصبر والشكر، وأما الغنيمة فلمن شهد الوقعة والمواساة لمن أتى بعد ثلاثة أيام، ومن شهد حربكم من مملوك وعتيق بعد ثلاثة أيام فأشركوه والزموا الإحسان فيما فتح الله عليكم. وختم الكتاب وسلمه للرسول فسار يجد السير إلى أن أتى سعدًا - رضي الله عنه - ودفع إليه الكتاب، فلما قرأه كتب إليه بعد البسملة يعلمه بما تجدد. أما بعد: يا أمير المؤمنين فإني لم أر فارسًا مثل القعقاع بن عمرو التميمي - رضي الله عنه - فإنه حمل في العدو في يوم واحد ثلاثين حملة يقتل في كل حملة فارسًا ولم أر فارسًا مثل الحرث الكندي فإنه كان يحمل في المواكب فيقصم عروقها. وأرسل الكتاب الثاني والخمس مع سعد - رضي الله عنه -، قال: ووصل المنهزمون من الفرس إلى المدائن ودخلوا الإيوان وحدثوا كسرى بما جرى وبقتل رستم وولده فاغتم لذلك وأيقن أن دولة الفرس قد انقرضت وانصرمت فاحتجب ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع مات لأنه حمل الهم على قلبه فقام بعده ولده يزدجرد ولم يكن له غيره.
.حدثنا نعيم عن جده وحسان أحفظ الناس للفتوح. قال: لما وجه كسرى بن أزدشير رستم إلى قتال سعد - رضي الله عنه - أنفذ معه نصف بيت ماله، وهي ستمائة ألف ألف إلى المصف، فلما صفت الصفوف وضعها أمام الجيش، وقال: كل من قتل فارسًا كان له كذا وكذا! ومن قتل راجلًا فله كذا وكذا! فصار ذلك كله إلى المسلمين فأرسل الخمس مع سعد وهو مال كثير لا يحصى عدده لكثرته، فلما وصل المال لعمر بن الخطاب بكى، وقال: أف لمن يغتر بالدنيا أو يميل إليها ثم قرأ:"قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى"، فوالله لم يلتمس منه قليلًا ولا كثيرًا ولا درهمًا ولا دينارًا، فقالت له حفصة: يا أمير المؤمنين لو رفقت بنفسك وأكلت طعامًا أطيب من طعامك ولبست ثوبًا أميز من ثوبك فقد فتحت لك الفتوح، وأتت الأموال فتمعَّر وجهه غضبًا، وقال لها: ناشدتك الله أخبريني عن أفضل ما اقتنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بيت مال المسلمين؟ قالت: ثوبان كان يلبسهما يوم الوفد ويخطب فيهما يوم الجمعة والعيدين. فقال: أي طعام كان يأكل عندكنَّ؟ قالت: خبز الشعير، وكان عندنا في أسفل عكة دسم فإن تظاهر طعمه فيها يقول: قد زدتنَّ في الدسم. قال: فأي بساط كان يبسطه عندكن؟ قالت: كان لنا كساء نجعله في الصيف تحتنا، وفي الشتاء نفرش نصفه ونلتحف بنصفه. فقال يا حفصة: إن مثلي ومثل صاحبي كثلاثة نفر تتابعوا طريقًا فمضى الأول وقد زاد فبلغ، ثم تبعه الثاني فسلك طريقه فمضى إليه، ثم تبعهما الثالث فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما كان معهما وأن سلك غير طريقهما لم يجتمع معهما أبدًا.