فهرس الكتاب
عن وائل بن غنم اليشكري قال: لما قدم سعد - رضي الله عنه - إلى كوثاريا نزل في المكان الذي سجن فيه إبراهيم الخليل - عليه السلام - فصلى فيه وحمد الله وصلى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقرأ"وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ". وأقام سعد - رضي الله عنه - بمشهد كوثاريا أيامًا ثم دعا الناس إليه، وقال لهم: اعلموا أن الله تعالى قد نصركم في مواطن كثيرة وقد أراكم ما وعدكم نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم - لما قال:"ستفتح على أمتي كنوز كسرى وقيصر"، وقد ملكتم طرفًا من كنوز كسرى والتمام على الله، وقد عولت على العبور إلى المدائن من الجانب الغربي. فقالوا جميعهم: أيها الأمير ما منا من يخالف ولا يبخل بنفسه على الله ورسوله فاعزم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فلما سمع قولهم قدم زهرة برايته وجيشه وأمره أن يسير فسار في اثني عشر ألف فارس فما سار غير قليل إذ رأى بين يديه خيلًا وعليها فوارس فأخذوا أهبتهم فإذا هم زهاء من مائتي فارس من الفرس فأرسلوا منهم فارسًا يعلم المسلمين أنهم أهل ساباط ومقدمهم يقال له سرزاد وهو يطلب لأهل بلده صلحًا وعهدًا. فقال له زهرة: ائتني بهم، فلما قربوا منهم ترجَّلوا وأتوا المسلمين فتلقوهم بالبشر والسرور. فقال لهم زهرة: من أنتم؟ قالوا: نحن أهل ساباط وهذا مقدمنا وقد أقبلنا نطلب صلحكم. فقال زهرة: من قصدنا قبلناه، ومن أراد صلحًا صالحناه ولسنا قومًا نريد الفساد في الأرض، ثم أمضى صلحهم على ما وقع عليه الاتفاق بينهم. وانطلق سرزاد إلى قومه ومعه جماعته فرحين بالصلح، ولما نزل زهرة في نهمشير وجد كتائب الفرس وعليها مقدم يقال له فيروز وهو فارس قومه ومعهم كبكبة كسرى التي يعتمد عليها في وقت شدته. واجتمعت جيوش الموحدين عند زهرة مع سعد وتأهبوا للقتال.
قال الواقدي: فلما ترتبت الصفوف كان أول من برز واشتهر وسما وافتخر فيروز ورطن بالفارسية، وقال: يا هؤلاء العرب لقد أطمعتم أنفسكم فيما لا تصلون إليه وساءت ظنونكم وزعمتم أنكم تملكون العراق وتأخذونه من أيدي الأكاسرة وهذا ظن لا يصير أبدًا، ونحن كتيبة كسرى أولو الشدة والبأس والقوة والمراس وأنا مقدمهم والرئيس فيهم فليبرز إلي مقدمكم ويفعل مثل ما فعلت أنا من بين قومي. قال فما استتم كلامه حتى خرج إليه هاشم بن المرقال يجر قناته من ورائه وحمل عليه وحصل بينهما حرب يشيب منها الطفل، ثم إن هاشمًا طعنه في صدره فأطلع السنان من ظهره. قال فلما قتله هاشم ورجع إلى المسلمين قبَّله سعد بين عينيه، فترجل هاشم وقبَّل رجل سعد وقرأ"أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ"، وارتحلوا في أثرهم إلى أن نزلوا نهمشير وبقي كلما أقبلت قبيلة تكبر وتنزل إلى أن أحاطوا بهم من كل جهة فأظهر القوم الزينة والسلاح والعدد والمجانيق وهم على الأسوار.