فهرس الكتاب
وتبادروا إليهم بأسرار صافية وهمم وافية يطلبون القتال في مرضاة الله ذي الجلال، وأنفسهم لذلك مستبشرة نازحة وهممهم إلى الحرب مسرعة قادحة.
ولما ركب المسلمون جعل على مقدمة الخيل طلحة بن خويلد وبقي هاشم على الساقة. فقال: أيها الناس والله لا تنال الجنة إلا بحسن الأعمال فاتركوا من قلوبكم الميل إلى دار اللهو والأهوال، والمقام في دار الزوال. جاهدوا لتدخلوا جنة عرضها السموات والأرض. قال وقد اصطفت عساكر العجم ودقت بوقاتها، ونشرت ازدهاراتها فهم كذلك إذ أقبل عليهم ملك الرقي في اثني عشر ألف فارس، فلما رأى هاشم ذلك قال: يا فتيان العرب لا تنظروا إلى كثرتهم وقلتكم فقد كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، وقد كانت قريش في حدها وحديدها وعددها وعديدها، ونصر الله نبيه ورسوله، قال الله تعالى:"كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ"، وإذا بالخيل قد حملت عليهم كأنهم السيل. فقال هاشم: أخلصوا النيات ولا تولوا الأدبار، واعلموا أنه قد تولى عليكم الجبار.
وأطبق الناس بعضهم ببعض وساروا بين البسط والقبض وازدحمت الأمم وقامت الحرب على قدم، وقاتلت أبطال العجم وضربت بحرابها، ورمت بصفاحها، وفوقت بسهامها، وأظلم الجو من الغبرة في الآفاق، واعتمدوا على الضرب بالأسياف الرقاق، وطعنت العرب بالرماح الدقاق، وقلعت عرب اليمن بنبالها الأحداق، ودنت الأعمار إلى المحاق، وبلغت الأرواح التراق، وعظم الأنين والزعاق، وصبرت الأعاجم على ما لا يطاق، وسامهم العرب من أسنة رماحهم كأس الفراق، ولم يزالوا في القتال إلى أن ذهبت الأنوار وجاء الليل ومضى نور النهار، وفي آخر يوم قدم القعقاع بن عمرو ومعه اثنا عشر ألف فارس فقويت قلوب المسلمين بقدوم عساكر الموحدين وأعلنوا بكلمة التوحيد فدوَّت من أصواتهم الجبال والتلال والرمال والحجر والشجر، فلما سمع أعداء الله ما نطقوا به ارتعدت فرائصهم، فاستقبلوهم بنيات صادقة، وهمم متوافقة، وأعلنوا بذكر كلمة الحق والصلاة على سيد الخلق فبذلوا صوارمهم في الأعداء، فوقعت الهزيمة على عسكر العجم وخذلهم الله وحمل المسلمون في آثارهم فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا وهرب الباقون!
وأخذ المسلمون مدينة نشاور وغنموا ما فيها من الأموال، وكان شيئًا لا يقع عليه حصر وأقاموا فيها وبنوا الجامع وذكروا الله فيه ذكرًا كثيرًا وأكمل الله لهم فتوح العراق، وكتبوا بذلك كتابًا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعلمونه بذلك وبعثوا الخمس فوصل ذلك