فهرس الكتاب
من القوم خلقًا كثيرًا، وهو يصرخ بقومه ويقول:"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ" (الصف: 4) وأكبت عليه جيوش الروم من كل جانب ومكان واشتعلت الحرب بينهم ووصل همدان بن وردان إلى ضرار بن الأزور ورماه بسهم فأصاب عضده الأيمن فوصل السهم إليه فأوهنه! وأحس ضرار بالألم فحمل على همدان وصمصم عليه برمحه وطعنه فأصاب بالطعنة فؤاده فوصل السنان إلى ظهره فجذب الرمح منه فلم يخرج، وإذا به قد اشتبك في عظم ظهره فخرج الرمح من غير سنان فطمعوا فيه وحملوا عليه وأخذوه أسيرًا! فنظر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ضرار وهو أسير فعظم الأمر عليهم وقاتلوا قتالًا شديدًا ليخلصوه فما وجدوا إلى ذلك سبيلًا وأرادوا الهرب. فقال رافع بن عميرة الطائي: يا أهل القرآن إلى أين تريدون؟ أما علمتم أن من ولى ظهره لعدوه فقد باء بغضب من الله، وإن الجنة لها أبواب لا تفتح إلا للمجاهدين، الصبر الصبر، الجنة الجنة، يا أهل الكتاب كروا على الكفار عبَّاد الصلبان، وها أنا معكم في أوائلكم، فإن كان صاحبكم أسر أو قتل فإن الله حي لا يموت، وهو يراكم بعينه التي لا تنام، فرجعوا وحملوا معه ...
ووصل الخبر إلى خالد أن ضرارًا قد أسر بيد الروم، وأنه قتل من الروم خلقًا كثيرًا فعظم ذلك على خالد، وقال: في كم العدو؟ قالوا: في اثني عشر ألف فارس. فقال: والله ما ظننت إلا أنهم في عدد يسير، ولقد غررت بقومي، ثم سأل عن مقدمهم من يكون؟ فقيل وردان صاحب حمص، وقد قتل ضرار ولده همدان، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم أرسل إلى أبي عبيدة يستشيره فبعث إليه أبو عبيدة يقول له: اترك على الباب الشرقي من تثق به وسر إليهم فإنك تطحنهم بإذن الله تعالى. فلما وصل الجواب إلى خالد قال: والله ما أنا ممن يبخل بنفسه في سبيل الله ثم أوقف بالمكان ميسرة بن مسروق العبسي - رضي الله عنه - ومعه ألف فارس، وقال له: احذر أن تنفذ من مكانك. فقال ميسرة: حبًا وكرامة، وعطف خالد بالناس، وقال لهم: أطلقوا الأعنة وقوِّموا الأسنة فإذا أشرفتم على العدو فاحملوا حملة واحدة ليخلص فيها ضرار إن شاء الله تعالى إن كانوا أبقوا عليه، والله إن كانوا عجلوا عليه لنأخذن بثأره إن شاء تعالى وأرجو أن لا يفجعنا به، ثم تقدم أمام القوم وجعل يقول:
اليوم فاز فيه من صدق ... لا أرهب الموت إذا الموت طرق
لأروين الرمح من ذوي الحدق ... لأهتكن البيض هتكًا والدرق
عسى أرى غدًا مقام من صدق ... في جنة الخلد وألقى من سبق