فهرس الكتاب
عاري الجسد بسراويله على فرس له عربي بغير سلاح وبيده قناة كاملة الطول وهو يوصي القوم.
قال الواقدي: هكذا حدثني تميم بن أوس عن جده عمرو بن دارم. قال: كنت يوم بيت لهيا ممن صحب ضرار بن الأزور - رضي الله عنه - وهو بهذه الصفة رغبة منه في الشهادة. فلما قارب العدو كان أول من برز وكبر ضرار بن الأزور قبل فأجابه المسلمون بتكبيرة واحدة رعبت منها قلوب المشركين وفاجؤوهم بالحملة ونظروا إلى ضرار بن الأزور وهو في أول القوم وهو في حالته التي وصفناها فهالهم أمره، وكان وردان في المقدمة والأعلام والصلبان مشتبكة على رأسه. فما طلب ضرار غيره لأنه علم أنه صاحبهم فحمل عليه غير مكترث به وطعن فارسًا كان في يده العلم فتجندل من على فرسه قتيلًا، ثم إنه طعن آخر في الميمنة فأرداه وحمل يريد القلب، وكان قد عاين وردان والصليب على رأسه يحمله فارس من الروم والجواهر تلمع من أربع جوانبه فعارضه ضرار وطعن حامله طعنة عظيمة فخرج السنان يلمع من خاصرته. فسقط الصليب منكسًا إلى الأرض. فلما نظر وردان إلى الصليب أيقن بالهلاك، وهمَّ أن يترجل لأخذه أو يميل في ركابه ليأخذه فما وجد لذلك سبيلًا لما قد أحدق به وترجل عليه قوم من المسلمين ليأخذوه وقد اشتغل كل عن نفسه ونظر ضرار إلى من ترجل لأخذ الصليب. فقال: معاشر المسلمين إن الصليب لي دونكم وأنا صاحبه فلا تطمعوا فيه فإني إليه راجع إذا فرغت من كلب الروم. فسمع ذلك وردان وكان يعرف العربية فعطف من القلب يريد الهرب. فقالت البطارقة: إلى أين أيها السيد أتفر من الشيطان فما رأينا أدنى من منظره ولا أهول من مخبره؟! ونظر إليه ضرار وقد عطف راجعًا فعلم أنه قد عزم على الهرب فصاح بقومه ثم اقتحم في أثره ومد رمحه وهمز جواده فتصارخت به الروم وعطفت عليه المواكب من كل جانب فأنشد يقول:
الموت حق وأين لي منه المفر ... وجنة الفردوس خير المستقر
هذا قتالي فاشهدوا يا من حضر ... وكل هذا في رضا رب البشر
ثم اخترق القوم وحمل عليهم وحمل المسلمون في أثره فأحدقوا بهم من كل مكان، ونظروا إلى ضرار وقد قصده وردان صاحب حمص عندما علم أنه اخترق القوم فمد إليه رمحه وقد أحدقت به بطارقته وضرار يمانع عن نفسه يمينًا وشمالًا فما طعن أحدًا إلا أباده إلى أن قتل