فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 611

من الروم، فإذا نصرنا الله عليهم عدنا إلى قتال هؤلاء القوم. قال أبو عبيدة: ليس هذا برأي! قال خالد: ولم ذلك؟ قال أبو عبيدة: إذا رحلنا يخرج أهل المدينة فيملكون مواضعنا.

فلما سمع خالد ذلك من أبي عبيدة قال: يا أمين الأمة إنِّي أعرف رجلًا لا يخاف الموت خبيرًا بلقاء الرجال قد مات أبوه وجده في القتال. قال: ومن هذا الرجل يا أبا سليمان؟ قال: هو ضرار بن الأزور بن طارق. قال أبو عبيدة: والله لقد صدقت ووصفت رجلًا باذلًا معروفًا فافعل. فرجع خالد إلى بابه واستدعى بضرار بن الأزور فجاء إليه وسلم عليه. فقال: يا ابن الأزور إني أريد أن أقدمك على خمسة آلاف قد باعوا أنفسهم لله - عز وجل - واختاروا دار البقاء والآخرة على الأولى، وتسيروا إلى لقاء هؤلاء القوم الذين وردوا علينا، فإن رأيت لك فيهم طمعًا فقاتلهم، وإن رأيت أنك لا تقدر عليهم فابعث إلينا رسولك.

فقال ضرار بن الأزور: وافرحتاه، والله يا ابن الوليد ما دخل قلبي مسرة أعظم من هذه فاتركني أسير وحدي. قال خالد: لعمري إنك ضرار! ولكن لا تلق نفسك إلى الهلاك وسر بمن ندب معك من المسلمين. فقام ضرار - رضي الله عنه - مسرعًا فقال خالد: ارفق بنفسك حتى يجتمع عليك الجيش فقال: والله لا وقفت ومن علم الله فيه خيرًا أدركني ثم ركب ضرار وأسرع إلى أن وصل إلى بيت لهيا، وهو الموضع الذي كان يصنع فيه الأصنام فوقف هناك حتى لحق به أصحابه. فلما تكاملوا نظر ضرار، وإذا بجيش الروم ينحدر كأنه الجراد المنتشر وهم غائصون في الدروع وقد أشرقت الشمس على لاماتهم وطوارقهم. فلما نظر إليهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا لضرار: أما والله إن هذا الجيش عرمرم والصواب أننا نرجع. فقال ضرار: والله لا زلت أضرب بسيفي في سبيل الله وأتبع من أناب إلى الله ولا يراني الله مهزومًا، ولا أولي الدبر لأن الله تعالى يقول:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ? وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" (الأنفال:15 - 16) ، وتكلم رافع بن عميرة الطائي وقال: يا قوم وما الخيفة من هؤلاء العلوج؟ أما نصركم الله في مواطن كثيرة والنصر مقرون مع الصبر ولم تزل طائفتنا تلقى الجموع الكثيرة والجموع اليسيرة فاتبعوا سبيل المؤمنين وتضرعوا إلى رب العالمين وقولوا كما قال قوم طالوت عند لقائهم جالوت"وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" (البقرة:250) فلما سمع ضرار كلامهم وأنهم اشتروا الآخرة على الأولى كمن بهم عند بيت لهيا وأخفى أمره وجلس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت