فهرس الكتاب
قال الراوي: هذا ما جرى لهؤلاء، وأما الأمير عياض بن غنم الأشعري - رضي الله عنه -، فإنه لما قرب من البهنسا استشار أصحابه مثل أبي ذر الغفاري وأبي هريرة الدوسي ومعاذ بن جبل وسلمة بن هاشم المخزومي ومالك الأشتر النخعي وذي الكلاع الحميري - رضي الله عنهم - ومعهم ألفان من أصحابهم وأمرهم بالنزول في الجهة الشرقية وقال لهم: إن قاتلوكم قاتلوهم ونازلوا القلعة حتى تأخذوها، وعبر الأمير عياض من الجهة البحرية ومعه أصحاب الرايات والأمراء والطليعة من هؤلاء السادات وتتابعت الكتائب يتلو بعضها بعضًا وعبروا إلى الجانب الغربي، فبينما هم سائرون وإذا بعدو الله قابيل قد أقبل بالبطارقة المتقدم ذكرهم، فلما التقى الجمعان عند سفح الجبل تحت المغارة أشار إلى أصحابه فأمسكوا عن المسير وتقدم إلى رابية عالية وإلى جانبه رجل من العرب المتنصرة وأمره بأن ينادي برفيع صوته: قربوا إلى البطريق رجلًا منكم ذا خبرة يكلمه فوثب إليه جرير الحميري وأتى إلى عياض وقال: أيها الأمير أتأذن لي أن أكلمه. قال: نعم إن طلبوا الصلح ورفعوا القتال صالحناهم حتى يحضر الأمير خالد بن الوليد ويفعل أمره، وأن أرادوا القتال قاتلناهم واستعنَّا بالله تعالى عليهم وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فعندها سار حتى وقف بإزاء البطريق وقال له: سل حاجتك. فقال له: أأنت أمير القوم؟ قال: لا، ولكني متكلم عن الأمير. فقال له: لم تركتم بلاد الشام والنعم العظام وأتيتم إلى هذه البلاد؟! وكنتم في بلاد الحجاز تقاسون جوعًا وعريًا فذقتم فواكه الشام وثمار الحجاز وخيرات اليمن؟! فلم يكفكم ذلك حتى أتيتم إلى مصر وقهرتم القبط وأتيتم إلى بلاد الفرس وقهرتم ملوكها، ولم تكتفوا حتى أتيتم إلينا وهجمتم علينا في بلدنا وقتلتم أبطالنا ونهبتم أموالنا ونحن نتغافل عنكم ونهمل أمركم حتى غلظت شوكتكم وقصدتم مدينتنا التي هي دار ملكنا ومحل ولايتنا، ولقد طلبها من قبلكم من الفراعنة والجبابرة والقبط والقياصرة والأكاسرة والجرامقة ورجعوا خائبين، فقولوا لنا ما الذي تريدون منَّا؟ فإن كنتم تريدون مالًا وترجعون عنَّا، قمت أنا عن الملك بذلك وترحلون عنَّا وتردون لنا ما ملكتم من بلادنا، وأن الملك لا يخالف لي أمرًا فأخبروني ما الذي تريدون وما الذي تطلبون؟
فقال له جرير: أَفَرَغت من كلامك؟ فقال له: نعم. قال له جرير: خذ جوابك! أما قولك كنَّا في ضيق حال فهو كما ذكرت، ولكن أنعم الله علينا بالإسلام وهو أول نعمة، ثم أمرنا بالجهاد، وإن الله تعالى أباح لنا أموال المشركين ما داموا محاربين، وأمرنا أن نجاهدكم حتى تؤدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون أو تسلموا أو تقاتلوا"حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ". وأما قولك عن المال فليس هو غرضنا ولا متاع الدنيا شهواتنا، وإن بلادكم عن