فهرس الكتاب
وترجلوا ونادوا بالأمان. فقال خالد: اقبلوا أمانهم وائتوني بهم فأتوا إليه. فقال خالد: من أنتم؟ فقالوا: نحن من جند هذا الرجل وردان ومقامنا بحمص وقد تحقق عندنا أنه ما يطيقكم ولا يستطيع حربكم فأعطونا الأمان واجعلونا من جملة من صالحتم من سائر المدن حتى نؤدي لكم المال الذي أردتم في كل سنة، فكل من في حمص يرضى بقولنا.
فقال خالد: إذا وصلت إلى بلادكم يكون الصلح إن شاء الله تعالى إن كان لكم فيه أرب، ولكن نحن هاهنا لا نصالحكم ولكن كونوا معنا إلى أن يقضي الله ما هو قاض! ثم إن خالدًا قال لهم: هل عندكم علم عن صاحبنا الذي قتل ابن صاحبكم؟ قالوا: لعله عاري الجسد الذي قتل منا مقتلة عظيمة وفجع صاحبنا في ولده. قال خالد: عنه سألتكم. قالوا: بعثه وردان عندنا أسيرًا على بغل ووكل به مائة فارس وأنفذه إلى حمص ليرسله إلى الملك ويخبره بما فعل. قال ففرح خالد بقولهم، ثم دعا برافع بن عميرة الطائي وقال: يا رافع ما أعلم أحدًا أخبر منكم بالمسالك وأنت الذي قطعت بنا المفازة من أرض السماوة وأعطشت الإبل وأوردتها الماء وأوردتنا أركة وما وطئها جيش قبلنا لمفازتها، وأنت أوحد أهل الأرض في الحيل والتدبير فخذ معك من أحببت واتبع أثر القوم فلعلك أن تلحق بهم وتخلص صاحبنا من أيديهم، فلئن فعلت ذلك لتكونن الفرحة الكبرى. فقال رافع بن عميرة: حبًا وكرامة، ثم إنه في الحال انتخب مائة فارس شدادًا من المسلمين وعزم على المسير فأتت البشارة إلى خولة بمسير رافع بن عميرة ومن معه في طلب أخيها ضرار فتهلل وجهها فرحًا وأسرعت إلى لبس سلاحها وركبت جوادها وأتت إلى خالد بن الوليد، ثم قالت له: أيها الأمير سألتك بالطاهر المطهر محمد سيد البشر إلا ما سرَّحتني مع من سرَّحت فلعلي أن أكون مشاهدة لهم. فقال خالد لرافع: أنت تعلم شجاعتها فخذها معك. فقال له رافع: السمع والطاعة.
وارتحل رافع ومن معه، وسارت خولة في أثر القوم ولم تختلط بهم، وسار إلى أن قرب من"سليمة"فنظر رافع فلم يجد للقوم أثرًا. فقال لأصحابه: أبشروا فإن القوم لم يصلوا إلى هاهنا، ثم إنه كمن بهم في وادي الحياة، فبينما هم كامنون إذا بغبرة قد لاحت. فقال رافع لأصحابه: أيقظوا خواطركم وانتبهوا، فأيقظ القوم هممهم وبقوا في انتظار العدو وإذا بهم قد أتوا وهم محدقون بضرار، فلما رأى رافع ذلك كبر وكبر المسلمون معه وحملوا عليهم فلم يكن غير ساعة حتى خلص الله ضرارًا وقتلوهم جميعًا وأخذوا سلبهم. وإذا بعساكر الروم قد أقبلت منهزمة وأولهم لا يلتفت إلى آخرهم، فعلم رافع أن القوم انهزموا فأقبل يلتقطهم بمن معه.